الجمعة، 27 نوفمبر 2009

العلاقات الاجتماعية وتلوث البيئة

هناك حديث عالمي عن مشاكل البيئة من تلوث وتسخين حراري وما الى ذلك، وهناك نصائح عديدة بترشيد استهلاك الكهرباء والغاز والمنتجات عموما، وهذه كلها أمور مهمة، ولكن هناك تجاهل لعامل مهم في انتشار المشاكل البيئية، وهذا العامل هو المشاكل الاجتماعية وانهيار العلاقات، فمثلا انتشار التفكك الاسري والاجتماعي جعل كل فرد في العائلة يجلس في غرفته ويشاهد التلفزيون الخاص به ويستخدم جهاز المكيف الخاص به وكذلك الكمبيوتر والجوال والثلاجة وحتى السيارة، في الماضي كان هناك ثلاجة وسيارة ومكيف وجهاز تلفزيون واحد يلتف حوله افراد الاسرة وكانت الاسرة تمضي وقتا اطول معا، اما اليوم فالكثيرون يمضون اوقاتا بعيدين عن الاخرين، كانت الاسر تتزاور اما اليوم فالزيارات اصبحت كل فترة وفترة، وبدل ان كان افراد الاسرة الكبيرة يسكنون معا ويستخدمون نفس الاجهزة اصبح لكل بيت اجهزته ونتج عن ذلك زيادة في الاستهلاك والتلوث البيئي، فالتفكك الاسري والاجتماعي عامل اساسي في زيادة التسخين الحراري الناتج عن السلوك البشري وزيادة التلوث البيئي،

كما ان انتشار قيم التنافس في المجتمع والاهتمام بتملك الاشياء الكثيرة زاد من هذا التلوث البيئي، أصبح من المهم تملك الاجهزة والسيارات وغيرها من اجل اظهار الثراء ونتج عن ذلك زيادة في التلوث البيئي، ترك البعض قيم الزهد والبساطة في اسلوب الحياة واهتموا بالتنافس في المظاهر، هناك اناس كثيرون في العالم ما زالوا يقدرون الحياة البسيطة حتى لو كان بامكانهم شراء اشياء، ليس فقط حفاظا على البيئة ولكن لمعرفتهم باضرار قيم التنافس المحموم على نفسية الناس وعلاقاتهم الاجتماعية، فالسعادة عندهم لا تنتج من التملك والفوز ولكن من اشياء اخرى بسيطة، بالطبع الامر هنا هو الوسطية في الامور، فالاسراف والتبذير وانهيار قيم البساطة والتعاون والعلاقات الاجتماعية لهم اضرارهم على البيئة،

د. ماجد عبدالعزيز عشي

الأربعاء، 25 نوفمبر 2009

نظرة نفسية للأفلام

هناك قصص شهيرة في السينما منذ بدايتها كانت وما تزال تدخل في نفوس المشاهدين الرعب، منها دراكولا مصاص الدماء والرجل الذئب الذي يتحول فجأة من انسان الى وحش او ذئب، وغيرها من قصص الرعب، ما هو المشترك في كل هذه القصص؟ أن الانسان يتحول فجأة من حالة الى أخرى، من انسان عادي الى مصاص دماء، من انسان مسالم الى ذئب، في حالة مصاص الدماء نجد في العادة ان هناك رجل وسيم يقوم بزرع انيابه في عنق الضحية ومن ثمة تتحول الضحية الى مصاص دماء ايضا، المعنى هنا ان الرجل عندما ينشئ علاقة مع امرأة فأنها تفقد براءتها وتتحول الى كائن مثله ضار مدفوع برغبات دفينة، واما في حالة الرجل الذي يتحول الى وحش فالمعنى هنا ان الولد عند البلوغ يتحول الى شاب وتحدث له تغيرات جسدية من ظهور الشعر في الجسم والعدوانية والعنف، كما انها ترمز الى التغير الذي يحدث في الانسان عند الغضب، وهناك قصة الفتاة التي يدخل جسدها كائن اخر وتتحول الى شيئ شرس، وهذا يرمز الى التحولات في الشخصية عند بعض الفتيات الاتي يسلكن طريق الفساد والبذاءة، فلو لاحظتم فان تصرفات الفتاة التي دخلها هذا الكائن تشبه الى حد كبير تصرفات الفتاة التي سلكت طريق الانحراف والعنف والبذاءة، فافلام الرعب عموما تلمس مخاوف اجتماعية واخلاقية عميقة في الناس،

وافلام الكرتون لها معانيها ايضا، الطفل عادة ما يشعر بالضعف نتيجة صغر حجمه واعتماده على الاخرين نفسيا وجسديا، وفي أفلام الكرتون نلاحظ غالبا وجود كائن صغير الحجم، ونجد هذا الكائن قادر على القيام بأعمال بطولية وهزيمة من هم اكبر منه حجما، الطفل يحب هذه الافلام لأنه يشعر انه مثل هذا الكائن الصغير وتثير اعجابه امكانية ان يؤثر من هم مثله في الامور من حوله،

وهناك ايضا قصص الحب الرومانسية، نجد ان غالبية هذه القصص تدور حول سؤال، هذا السؤال هو: هل ينتصر الحب؟ دائما نجد في القصة ان هناك حب بين شخصين ولكن هناك عقبات من رفض الاسرة او فروق اجتماعية او مادية او حضارية او حب المال او وجود شخص اخر او غير ذلك، والقصة تحاول الاجابة على السؤال الى المشهد الاخير، هل سينتصر الحب ام سيهزم امام هذه العقبات؟
ومن الافلام الجميلة فلم كنج كونج، وهو قصة الشامبانزي الضخم والمرأة وكيف تتكون بينهما قصة حب الى حد ما، هذه القصة ترمز الى العلاقة بين الرجل والمرأة عموما، المرأة تدخل الزواج وهي في الغالب تكون اكثر برائة واصغر حجما والرجل يدخل الزواج وهو من وجهة نظر المرأة كالوحش المخيف الذي عليها التعامل والعيش معه، ومع الوقت يدخل الحنان قلب الرجل ويمكن للمرأة ان ترى ما وراء مظاهر القوة، وينشأ الحب بينهما، المرأة ترى ما لا يراه الناس في هذا الانسان، وهذه هي القصة دائما، الرجل عليه الظهور بمظهر القوة حتى يعيش في الحياة، ولكن المرأة ترى ما لا يراه الاخرون، وهنا مصدر قوة المرأة، قدرتها على رؤية ما وراء المظهر،

د. ماجد عبدالعزيز عشي

الأحد، 22 نوفمبر 2009

علامات النضج

وجد العلماء بناء على دراسات عديدة ان هناك صفات وعلامات للنضج النفسي عند الشخص واهمها:

1. معرفة وفهم ان العمر محدود والحياة ليست الى ما لا نهاية، بعض الناس يتصرفون وكأنهم سيعيشون الاف السنين او في غفلة عن محدودية الحياة، وهذا التفكير في حد ذاته يجعلهم يتصرفون وكأنهم أطفال وبشيئ من عدم النضج النفسي، النضج يأتي من وعي بأن ما عند الانسان لن يدوم، ان الصحة لا تدوم، والعلاقات لا تدوم، والحياة نفسها لا تدوم للشخص، وهذا الوعي يزيد من احساس الشخص بالمسؤولية نحو وقته وحياته ويزيد من عطاءه وتقديره لما عنده، الوعي بالموت في حد ذاته يزيد من نضج الانسان وحكمته،

2. معرفة ان احيانا الظروف تدفع الانسان لفعل أمور ما، الناضج يعرف ان هناك شيئ اسمه الظروف، وانه احيانا قد يضطر الشخص لفعل اشياء تحت ضغط الظروف، غير الناضج لا يفهم معنى الظروف، لا يفهم واقع الحياة وان هناك احيانا امورا حول الانسان قد تجعله يفعل اشياء قد لا تتوافق مع ما يريد هو او الاخرين، غير الناضج يكون شديد الاحكام، الطفل لا يعرف معنى الظروف، ولا يعرف ان هناك صراعا مستمرا بين الانسان والظروف، احيانا تنتصر الظروف واحيانا ينتصر الانسان واحيانا يكون هناك حل وسط، الناضج يشعر بالشفقة والمحبة للناس لأنه يعلم ان الجميع يحاولون العيش في هذه الحياة والاستمرار في السباحة بين امواجها العالية والمتلاطمة، الكل يحاول،

3. الناضج قادر على فهم ان هناك صراعات ومتناقضات في الحياة، وانه ليس دائما من السهل ان ان نقول ان هذا صح وهذا خطأ، قد يكون الموضوع خاص بمصالح واحتياجات وكل الاطراف تحاول الحصول على مصالحها واحتياجاتها، أحيانا يكون الامر واضحا ولكن ليس دائما، غير الناضج لا يتحمل الغموض، ولا يتحمل الاحتمالات، ولا يتحمل كلمة "يمكن"، يريد التأكد ويريد ان يكون على يقين في كل الامور حتى لو جاء هذا اليقين من عدم الاكتراث بالحقائق المخالفة ليقينه في الموضوع، غير الناضج "متأكد" من معرفته للوضع ولا يفهم ان هناك اشخاص قد يفهمون اكثر منه وعندهم حصافة اكثر ومعرفة بخبايا الموضوع،

4. الناضج يعرف محدودية الانسان جسديا وفكريا وعاطفيا ونفسيا، يعرف ان الناس هم بشر يخطئون ويصيبون، ويعرف انه هو نفسه بشر يخطئ ويصيب، يعرف ان علمه محدود، ويعرف ان قدراته محدوده، وانه مهما على فلن يكون الا بشرا من لحم ودم وانه مثله مثل كل البشر، غير الناضج يرفض انسانيته، ويسعى لأن يثبت لنفسه والناس انه غير باقي البشر، ان فكره غير، وان جسده وقدراته غير، وان افكاره غير، وان عمله غير، وان زوجه غير، يريد ان يثبت انه مختلف، ولكن في الحقيقة هو مثله مثل كل الناس، الناضج يعرف ان ما عنده هو استمرار لعطاء الكثيرين، وان ما عنده هو من عند الله وقد لا يدوم، ويعرف ان الحرمان هو جزء من الحياة لا يمكن تجنبه، فالناضج قادر على تحمل الالام والوحدة والحرمان ويعرف انها جزء من كون الانسان بشر، ولا يهرب منها باساليب غير ناضجة،


د. ماجد عبدالعزيز عشي

الخميس، 12 نوفمبر 2009

القصص

أحيانا يركز الناس على قصة ما في حياتهم وينسون قصص اخرى تكون في غاية الاهمية، قد يركز الزوجين على قصص من الخصام والاسى وينسون قصص كثيرة من لحظات التعاون والوئام والحب حدثت بينهما، قد يركز الانسان على فرع في الشجرة وينسى النظر الى باقي الشجرة، هناك قصص كثيرة في الحياة، نحن نختار ما نركز فيه، وباختيارنا ان نركز على القصص التي تنمي المحبة والوئام بين الاهل والاسرة وحتى بين الشعوب، بيدك ان تختار اين تضع انتباهك وتفكيرك، وما تركز فيه سيكون بمثابة الغذاء لمشاعرك، فان اخترت ان تركز في الذكريات والاحداث والقصص التي تغذي الكره في داخلك فان ذلك الكره سينمو ويكبر، وان اخترت ان تركز في ذكريات المحبة والتعاون والخير فان الخير والمحبة والرحمة والشفقة ستنمو في داخلك، الاحداث السيئة حدثت وكذلك الاحداث الايجابية، وبيدك ان تختار ما توجه نفسك نحوه،

عندما نضع ايدينا على اعيننا خوفا فان ما نخاف منه لن يختفي، كل ما في الامر هو اننا لا نراه ولكنه موجود ويمكن له ان يؤثر فينا، عندما نضع ايدينا على اعيننا حتى لا نرى الحب ولا نرى ما يخالف توجهاتنا ولا نرى الخير في الاخر، كل ما يحدث عندها هو اننا حرمنا انفسنا رؤية هذه الامور، وهذا الاسلوب لا يغير من الحقائق شيئا، وعندها نعيش في الظلام وحدنا مع خيالاتنا واوهامنا وكوابيسنا، ربما نشعر عندها بالامان لوقت ما ولكن ما هو ثمن هذا الامان؟ الثمن هو اننا ضحينا بالتزامنا برؤية الامور على حقيقتها، وضحينا بالصدق، وضحينا بالطرف الاخر،

هل عندك انسان في حياتك تصر على رؤيته من خلال قصص معينة وترفض تذكر القصص الاخرى التي تجعل منه انسانا متكاملا في عينك بحسنات وسلبيات؟ نحن نرى ما نختار ان نرى، الحياة فيها من الالام والمآسي الكثير، ولكن فيها من الخير والمحبة والتعاون ما هو اكثر بكثير، فقط ابحث عن الخير والمحبة من حولك وانظر اليهم وستراهم، وربما يعرف الشخص عندها انه مؤلف يعيش قصص يؤلفها!

د. ماجد عبدالعزيز عشي

الاثنين، 9 نوفمبر 2009

المفتاح عند المريض

من أحد اساليب العلاج النفسي الاسلوب المعروف بالعلاج المتمركز حول المريض والذي انشأه العالم النفساني روجرز قبل جوالي خمسين عاما، ويقوم هذا العلاج على عدة مبادئ منها ان الانسان هو من بيده حل مشاكله وان دور الدكتور النفسي يتلخص في توفير الاجواء النفسية المناسبة في العلاج بما يسمح للشخص بتحرير طاقاته الداخلية والنمو النفسي واستخراج الحلول من اعماق النفس، فدور الدكتور النفسي هنا ليس تقديم النصح او الحلول للشخص ولكن مساعدة الشخص على استخراج الحلول من اعماقه، ويحدث ذلك من خلال بناء الثقة بين الدكتور والمريض ومن خلال ان يمارس الدكتور الصدق في التعامل والشفافية امام المريض حتى يتعلم المريض هذا الاسلوب في الحياة من خلال ملاحظة اسلوب الدكتور،

هذه الشفافية والوضوح تجعل الشخص المقابل يشعر بدوره انه لا داعي لاخفاء امور، كثير من سلوكيات الناس الغير طبيعية تكون عبارة عن محاولات لاخفاء امور ما، قد تكون هذه الامور احداث في الماضي او ذكريات، وقد تكون مشاعر وافكار، وقد تكون اسرار من اخطاء ارتكبها الشخص او شاهدها او شارك فيها بشكل ما، ومحاولات الاخفاء هذه تجعل الشخص لا يبدو طبيعيا في سلوكه، وجزء كبير من العلاج النفسي هو فهم هذه الاسرار واخراجها الى النور على الاقل في العيادة النفسية وعند الشخص نفسه، في حياة الكثيرين اسرار يعتقدون انها امور غريبة وان لا احد يمر بما مروا به وان الناس ستصدم ان عرفوا اسرارهم، والحقيقة ان هناك من مروا بمثل ما مروا به، وربما لن يصدم الناس ان عرفوا بالسر،

احيانا الناس تعامل حلول مشاكلها وكأنها اسرار يجب اخفائها حتى من انفسهم، الحل عند الشخص وبيده، ولكن قد بتطلب الحل التغير، ولكن قد يرغب الشخص في الثبات وعدم التغير، والسر لا يتغير، تمر الايام والسنين ويتغير شكل الانسان وما حوله والناس، ويبقى السر في داخله لا يتغير، النمو النفسي يتطلب تقبل التغير في الحياة وفي النفس وفي كل ما حولنا والتكيف معه، ولكن هناك احيانا مقاومة للتغير، ولكن مقاومة التغير هي مقاومة للتعلم من الحياة، التعلم يصحبه تغير، اذا هو رفض للتعلم، ربما لان هناك اشياء مؤلمة لا نريد ان نتعلم عنها، ولكن ان قاومت التعلم قاومت الحياة، وقاومت النمو، وقاومت الوصول للحلول،

د. ماجد عبدالعزيز عباس عشي

الخميس، 24 سبتمبر 2009

اساءة معاملة كبار السن

هناك نوع من اساءة المعاملة مسكوت عنه في المجتمع، ونسمع عنه هنا وهناك في بعض اخبار الصحف ولكن لا يحظى بالتغطية الكافية كما يحدث مثلا مع الاساءة للاطفال او للمرأة مع أهمية تغطية هذه الانواع ايضا، وهذا النوع هو الاساءة الى كبار السن من امهات واباء وجدود وغيرهم، هذا النوع ينتشر في العالم اليوم، ولكن العديد من المجتمعات لا تبحث فيه لانها تحاول الحفاظ على مظهر انها تحترم الكبار وترعاهم، ولكن مع الاسف هناك معاناة صامتة وراء الجدر ولا يعلم بها الا الله،

بعض كبار السن قد لا يعلمون ان ما يجري لهم هو اساءة معاملة، وربما لا يريدون رؤية الحقيقة كما هي، فمن الصعب على الام التي تعبت وربت او الاب ان يعترف امام نفسه بأن ابنه او ابنته يسيؤون اليهم، وفي حالات كثيرة يكون الكبير معتمدا ماديا على من يسيئ اليه، ويخاف ان يوقف المسيئ دعمه المادي ان اشتكى كبير السن من المعاملة، واحيانا قد يعاني الكبير من امراض الشيخوخة التي قد لا تجعله قادرا على رؤية الاساءة على حقيقتها او على الشكوى، وغالبا ما يخاف الكبير من العار والخزي الذي قد يشعر به ان افتضح امره امام الناس ان اقارباءه واحباءه يسيؤون اليه في الكبر، فكثير من كبار السن يسكتون تصبرا وخوفا من ان يسيؤوا الى الذي يعاملهم بالسيئ ان عرف الناس ما يحدث،

اساءة معاملة كبار السن قد تأخذ عدة اشكال، فهناك الاساءة الجسدية التي قد تشمل العنف ضد الكبار بأشكاله، وهناك الاساءة النفسية والمعنوية من خلال الاهانة والكلام الجارح، وهناك الاساءة المادية من خلال الابتزاز المادي او محاولة السيطرة على اموال كبار السن او تهديدهم ان لم يعطوا مالا، وهناك الاساءة الجنسية في بعض الحالات، وهناك اهمال رعايتهم والاهتمام بصحتهم وزيارتهم وتقديم العون لهم، فهناك كبار سن يحتاجون الى رعاية كاملة ولكن بعض الاهالي يهملون الكبار،

هناك اسباب عديدة لوجود الاساءة لكبار السن، فلا شك ان انتشار المادية والتسابق المحموم على المال ومتع الحياة افقد الكثيرين مكونات انسانيتهم، كما ان انهيار القيم الدينية عند البعض والقيم الاسرية جعل من البعض يرون انه ليس عليهم تحمل مسؤولية أي احد، بالاضافة لذلك انتشرت الامراض النفسية مما جعل البعض يعبرون عن امراضهم النفسية من خلال الاساءة للاخرين، والبعض اصبح يعاني من ضغوط نفسية كبيرة نتيجة الازمات المادية وكثرة متطلبات الحياة مما يجعلهم في ضجر من تحمل اعباء اكثر، وهناك ايضا انتشار للعنف بأنواعه من حروب وارهاب واجرام وفي الافلام والمسلسلات والاعلام والالعاب الالكترونية، مما رسخ عند البعض ثقافة العنف وان حل كل الامور يكون بالعنف، والبعض يستخدمون العنف كأسلوب لحل مشاكلهم حتى مع كبار السن، والبعض يستخدمون العنف بانواعه مع كبار السن انتقاما او لتصفية حسابات قديمة او ظلم يشعرون به مصحوب باعتقاد ان الكبير تسبب فيه، قد تكون هذه الاعتقادات اوهاما او نتيجة مشاكل نفسية وقد تكون عن سوء فهم واحيانا لها ما يدعمها، ولكن هذا لا يبرر الاساءة للكبار، هناك اساليب اخرى لحل المشاكل، ومما لا شك فيه ان ضعف الايمان بالله سبحانه والحساب واليوم الاخر جعل البعض يعتقدون انه ليس هناك رقيب ولا حسيب وانهم سيفلتون من الحساب اذا لم يرهم احد،

وهناك علامات للأساءة لكبار السن، فمثلا ان تكون هناك رضوض في جسد الكبير لا يعرف سببها، او ان يكون الكبير منعزلا تماما عن الناس او خائفا من شخص ما، أو ان يفقد الكبير مالا دون معرفة اين ذهب المال، بالطبع من الصعب التأكد من هذه الامور لأن الكبير قد تكون عنده رضوض نتيجة سقوط او يفقد مالا نتيجة ضعف ذاكرة او يعيش عزلة نتيجة كبر سن، ولكن هناك قاعدة اساسية:
ان شعرت بأن هناك شيئ خطأ واساءة معاملة في حياة الكبير فاعلم ان احساسك صحيح وان هناك فعلا اساءة معاملة، هذا الاحساس يحاول اخبارك شيئا فاستمع له، وتحدث مع الكبير وابحث في الموضوع،

الاساءة الى كبار السن بالقول او العمل هو عرض لمرض خطير ولا بد من التصدي له بكل الوسائل، ارجو من كل قارئ ان يخبر خمسة من اهله او اصدقائه بأن هناك شيئا اسمه الاساءة الى كبار السن وان هناك علامات له حتى يمكن التعرف عليه، وبذلك يمكن نشر الوعي الاجتماعي بهذا الموضوع المهم،

د. ماجد عبدالعزيز عشي

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2009

فروع علم النفس

هناك فروع عديدة لعلم النفس وكل فرع هو علم بحد ذاته وله علماءه وابحاثه والمتخصصين فيه ودرجاته العلمية ومواده الخاصة في الجامعات، وكل علم يبحث في مجال من مجالات علم النفس والسلوك، وسوف اعرض هنا لبعض هذه الفروع،

1. علم نفس النمو:
يدرس هذا الفرع التغيرات الجسدية والفكرية والنفسية والسلوكية التي تحدث في الانسان اثناء حياته، فكل مرحلة من مراحل الحياة من طفولة ومراهقة ونضج لها تحدياتها والسلوكيات المصاحبة لها،

2. علم الامراض النفسية:
يدرس هذا العلم الامراض النفسية بأنواعها واسبابها واعراضها وعلاجها، وهناك تخصصات في هذا الفرع تبعا لاساليب العلاج والامراض،

3. علم النفس الاجتماعي:
يدرس هذا العلم تاثير المجتمع على سلوك الشخص وكيف يتصرف الانسان عندما يكون منتميا الى او موجودا في جماعة، كما يدرس العلاقات بين الناس من حب وزواج وغيرها،

4. علم النفس التجريبي:
يدرس هذا العلم كيفية اجراء الدراسات النفسية والاساليب العلمية لاجراء الدراسات

5. علم نفس الشخصية:
يدرس هذا العلم تكوين الشخصية وانواعها واسباب الاختلاف في الشخصيات

6. علم النفس السياسي:
يدرس هذا العلم السلوك السياسي عند الناس والعوامل النفسية التي تؤثر فيه،

7. علم نفس الجريمة:
يدرس هذا العلم نفسية المجرمين والمنحرفين والسلوك الاجرامي من حيث الاسباب والعلاج والوقاية،

8. علم نفس كبار السن:
يدرس هذا العلم نفسية كبار السن والمشاكل والتحديات التي يتعرضون لها،

9. علم نفس الطفولة:
يدرس هذا العلم نفسية الاطفال ومشاكلهم وتفكيرهم واساليب التعامل معهم،

10. علم نفس المرأة:
يدرس هذا العلم نفسية المرأة والمواضيع التي تهم المرأة اثناء حياتها والمشاكل التي تواجهها

11. علم نفس الادمان:
يدرس هذا الفرع مشاكل الادمان واسبابها وعلاجها والوقاية منها،

12. الطب السلوكي:
يدرس هذا الفرع العلاقة بين سلوك الشخص والامراض الجسدية التي يمكن ان يعاني منها، كما يدرس اساليب علاج الامراض الجسمانية من خلال تغيير السلوك،

13. علم النفس الطبي:
يدرس هذا العلم سلوك الاطباء والعاملين في المستشفيات وعلاقاتهم بالمرضى وكيفية تأثير هذه العلاقات على صحة المرضى، كما يدرس نفسية وسلوكيات المرضى عند زيارتهم للاطباء واتباعهم للعلاج والجراحة وما الى ذلك،

14. علم النفس القانوني:
يدرس هذا العلم الامور المتعلقة بالقانون مثل سلوك القضاة والمحامين وعلاقاتهم واساليب التأثير في المرافعات والاحكام وما الى ذلك

15. علم النفس الاعلامي:
يدرس هذا العلم تأثير الاعلام على المجتمع وسلوك الاعلاميين ووسائل التأثير في الرأي العام في الاعلام، كما يدرس امور تتعلق بصناعة الافلام والمسلسلات وتأثيرها،

16. علم النفس الصناعي:
يدرس هذا الفرع سلوك العمال في المصانع وعلاقاتهم مع بعضهم ومع الادارة وتأثير ذلك على الانتاج وانسياب العمل،

17. علم النفس الرياضي:
يدرس هذا الفرع سلوك الرياضيين ومشاكلهم والاساليب النفسية لتحسين ادائهم كأفراد وكفرق، كما يدرس امور لها علاقة بنفسية المشجعين،

18. علم النفس العسكري:
يدرس هذا العلم سلوك العسكريين وعلاقاتهم ونفسيتهم في السلم والحرب وكيفية اعدادهم نفسيا للمواجهة، كما يدرس النتائج النفسية على العسكريين للغياب عن اهلهم وعن المعارك والاصابات، كما يدرس الحرب النفسية، وأمور لها علاقة بحرب الاشاعات والتجسس وما الى ذلك،

19. علم نفس الاسرة:
يدرس هذا الفرع العلاقات الاسرية وتأثير الاسرة على نفسية اعضائها واساليب حل المشاكل الاسرية واسبابها واساليب الوقاية منها،

20. علم النفس الديني:
يدرس هذا الفرع السلوك الديني وكيفية تأثير العوامل النفسية على السلوك الديني، كما يدرس اثر الدين على سلوك الشخص وصحته الجسدية والنفسية، ويدرس السلوكيات الدينية غير الطبيعية، كما يدرس الاساليب النفسية في الدعوة،

21. علم النفس البيئي:
يدرس هذا الفرع العلاقة بين البيئة من مباني ومدن وديكور والوان وغيرها ونفسية الانسان وسلوكه، فيدرس كيف تؤثر البيئة على السلوك وكيف يؤثر السلوك في البيئة، ويدرس ايضا تصاميم المباني والشركات والسجون والمستشفيات وغيرها بطرق تؤثر في نفسية الناس،

22. علم نفس الظواهر غير الطبيعية:
يدرس هذا العلم امور تتعلق بالظواهر غير الطبيعية التي يذكرها الناس مثل الاشباح والجن والبيوت المسكونة والمخلوقات الفضائية والتخاطب عن بعد والتنبؤ بالمستقبل ومثل هذه الامور، فهم يدرسون نفسية الناس الذين يتحدثون عن هذه الامور او يقولون انهم مروا بتجارب لها علاقة بهذه الظواهر كما يدرسون ان كان هناك ما يثبت علميا وجود مثل هذه الظواهر،

23. علم نفس الاحساس والادراك:
يدرس هذا العلم عمل الحواس وكيفية تأثير العقل عليها، كما يدرس الخدع البصرية وغيرها وصناعة هذه الخدع في الافلام مثلا،

24. علم النفس الاقتصادي:
يدرس هذا العلم السلوك المالي عند الناس وتأثير العوامل النفسية في هذا السلوك وفي الاقتصاد عموما،

25. علم النفس العصبي:
يدرس هذا العلم تكوين المخ والاعصاب واثرها في السلوك والنفسية

26. علم النفس الفسيولوجي:
يدرس هذا العلم الوظائف الفسيولوجية والهرمونات واثرها في النفسية وكيف تؤثر النفسية على هذه الوظائف،

27. علم النفس العصبي المناعي:
يدرس هذا العلم العلاقة بين النفسية والجهاز العصبي والجهاز المناعي، فمثلا يدرس كيف تؤثر النفسية على المناعة في الجسم وكيف تؤثر الامراض والجراثيم على النفسية،

28. علم نفس الضحايا:
يدرس هذا العلم نفسية ضحايا الجريمة والحروب والكوارث كما يدرس العوامل في الشخصية والسلوك التي قد تجعل شخص ما عرضة اكثر من غيره لأن يكون ضحية،

29. علم النفس الشرعي:
يدرس هذا العلم الادلة الجنائية النفسية وكيفية معرفة المجرم وشخصيته من خلال جريمته وتحليل نتائج الجريمة على الضحية لمعرفة المجرم وطريقة ارتكاب الجريمة،

30. علم النفس الحضاري:
يدرس هذا الفرع تأثير الحضارة على السلوك الطبيعي والغير طبيعي والفروق النفسية بين الناس في الحضارات المختلفة،

هذه بعض الفروع العامة ويمكن للدكتور النفساني ان يتخصص في أي فرع فيها والبعض يتخصص في فروع دقيقة منها، فمثلا هناك دكاترة نفسييون متخصصون في الاكتئاب او القلق او في علاج التدخين او في انواع معينة من الجرائم، في البداية يحصل الدارس على بكالوريوس في علم النفس وبعد ذلك تبدأ مرحلة التخصص في الماجستير والدكتوراه ودراسات ما بعد الدكتوراه،

د. ماجد عبدالعزيز عشي

السبت، 5 سبتمبر 2009

علامات الادمان على الانترنت

بدأ العلماء منذ عدة سنوات بملاحظة ان هناك اشخاص مدمنين الانترنت، وان هذا الادمان حقيقي وله عواقب كبيرة على صحة الشخص النفسية والجسدية والاجتماعية، فعلاقات الشخص تصبح اغلبها على الانترنت ولا تكون له علاقات حقيقية في الواقع، وقد يؤدي ذلك الى نوع من الانعزال الاجتماعي، كما يمكن ان يؤدي ادمان الانترنت الى مشاكل صحية جسدية نتيجة الجلوس فترات طويلة امام الكمبيوتر، ومنها الام الظهر والكتف والمفاصل وخصوصا في الاصابع نتيجة الكتابة المستمرة لفترات طويلة، ومنها امراض ناتجة عن عدم التغذية السليمة نتيجة الانشغال بالانترنت وامراض ناتجة عن عدم التعرض لضوء الشمس، وامراض العيون والصداع والجهاز الهضمي والدورة الدموية وغيرها،
ومنها امراض ناتجة عن اضطرابات النوم نتيجة السهر على الانترنت، بالاضافة الى اضطرابات عاطفية نتيجة تكوين علاقات على الانترنت لا تمثل العلاقات الطبيعية المتعددة الابعاد كما يحدث في الحياة الواقعية، فمثلا على الانترنت يمكن للشخص قطع العلاقة متى شاء وقول ما شاء نتيجة اخفاء حقيقة من يكون ولكن في العلاقات الواقعية لا بد ان يتعلم الانسان كيف يتكيف مع الناس ويتعاون ويصبر ويتفاهم، كما ان ادمان الانترنت يمكن ان يخلق مشاكل في الشخصية لان الشخص يتعلم اخفاء حقيقته وربما يتقمص شخصيات واسماء اخرى ولا يكون على حقيقته،

وقد قسم العلماء ادمان الانترنت الى اربع انواع تشترك في الاضرار والعلامات التي نذكرها ادناه كما ان لكل منها اضراره الخاصة به، وهي:
1. ادمان المواقع الاباحية
2. ادمان الالعاب الالكترونية على الانترنت ومنها العاب القمار
3. ادمان المواقع الاجتماعية من فيسبوك وغيرها وغرف الدردشة والمشاركة في المواقع وما الى ذلك
4. ادمان التسوق على الانترنت


بلا شك هناك منافع عديدة للانترنت من حيث توفير المعلومات والثقافة والترفيه والتواصل مع الاهل والاصدقاء، ولكن هناك اشخاص اصبح استخدامهم للانترنت غير طبيعي وبدأ يسبب لهم مشاكل في جوانب مختلفة في حياتهم، واخر الدراسات النفسية التي ظهرت قبل اسابيع اظهرت ان حالات الطلاق والخلافات في تزايد في انحاء العالم نتيجة استخدام الناس للمواقع الاجتماعية مثل الفيسبوك وغيرها مما تسببه من غيرة بين الناس وخلافات وشكوك نتيجة تكوين علاقات على الانترنت، كما زادت حالات الفصل من العمل نتيجة نشر بعض الناس صور لهم على الانترنت لا يجب ان يراها اصحاب العمل، كما اظهرت الدراسات التزايد في نسبة الاحساس بالوحدة والاكتئاب حيث استبدل الناس العلاقات مع الاهل بالعلاقات على الانترنت مع اشخاص بعيدين عنهم وقد لا يعرفونهم حقا، وفي الحقيقة اصبح البعض يتصرفون وكأنهم "تزوجوا" الانترنت، يذهبون للانترنت لاشباع احتياجاتهم الاجتماعية والفكرية والترفيهية والجنسية وغيرها، وهذه الاحتياجات من المفترض ان يشبعها الشخص في الزواج، اصبح الانترنت بديلا للازواج في الحياة، وهذا الامر له نتائجه النفسية والجسدية والاجتماعية،

وحدد العلماء علامات لادمان الانترنت وهي:

1. ان يمضي الشخص وقتا على الانترنت اطول مما كان ينوي، فمثلا شخص يريد ان يستخدم الانترنت لمدة ساعة ويجد انه يجلس ثلاث او اربع ساعات بدل الساعة، ويتكرر ذلك، فهنا يكون الشخص قد بدأ بفقدان السيطرة على كمية الوقت الذي يقضيه على الانترنت،

2. ان يبدأ الشخص في اهمال القيام بواجباته المنزلية من طبخ وتنظيف مثلا نتيجة قضاء الوقت على الانترنت، وقد يهمل الشخص في نظافته الشخصية ايضا،

3. ان يفضل الشخص قضاء الوقت على الانترنت بدل قضاءه في علاقات حميمة مع الزوج او الزوجة او الاهل والاصدقاء،

4. ان يكون الشخص علاقات جديدة على الانترنت بكثرة بينما تكون علاقاته في الواقع محدودة جدا،

5. ان يجد الشخص ان الاخرين من حوله بدأوا يشتكون من كمية الوقت الذي يقضيه الشخص على الانترنت،

6. ان يتأثر اداء الشخص في المدرسة او الجامعة او العمل او في البيت نتيجة الانشغال بالانترنت

7. ان يدخل الشخص على الانترنت مرارا اثناء اليوم وقبل القيام بأي عمل مهم اخر،

8. ان يشعر الشخص بالغضب وبالحاجة للسرية اذا ساله أحد عما يفعل على الانترنت

9. ان يستخدم الشخص الانترنت كأسلوب لشغل الفكر والنفس عن امور اخرى في الحياة قد تكون مزعجة للشخص، كأن يهرب الشخص من واقع قاس يعيشه الى استخدام الانترنت للهروب من التفكير فيما يزعجه،

10. ان يمضي الشخص وقته وهو جالس مع الاخرين في التفكير في ما يفعله على الانترنت وينتظر الفرصة للعودة الى الانترنت سريعا،

11. ان لا يتحمل الشخص البقاء دون انترنت لوقت طويل ويشعر بالخوف والملل والفراغ نتيجة عدم وجوده، كما يخشى فقدان الانترنت لنفس الاسباب،

12. ان يفقد الشخص اعصابه ويغضب ويثور اذا قاطعه احد اثناء وجوده على الانترنت،

13. ان يحاول الشخص التقليل من الوقت الذي يقضيه على الانترنت مرارا ولكنه يفشل،

14. ان يحاول الشخص اخفاء كمية الوقت الحقيقي الذي يقضيه على الانترنت بمحاولة التقليل من كمية هذا الوقت كأن يقول انه قضى ساعة وفي الحقيقة يكون قد قضى اربع ساعات،

15. ان يفضل الشخص قضاء الوقت على الانترنت بدل الخروج وحضور مناسبات اجتماعية،

16. ان يشعر الشخص بالاكتئاب والعصبية اذا لم يكن على الانترنت ويتحسن مزاجه اذا كان على الانترنت،


وعادة يمكن للشخص علاج نفسه من هذا الادمان ولكن هناك حالات شديدة تتطلب تدخل متخصص في هذا الادمان، البداية هي ان يعرف الشخص انه مدمن ويعرف العلامات ويحاول تغيير سلوكه بعد ان يفهم المشكلة وخطرها،

د. ماجد عبدالعزيز عشي

الخميس، 3 سبتمبر 2009

عمر الانسان

هناك انواع مختلفة لعمر الانسان، فهناك العمر الزمني المعروف، والذي يقاس من ميلاد الشخص الى اللحظة ويقاس بعدد الايام والاشهر والسنين، فنقول ان فلان عمره عشرون سنة وفلان عمره ثلاثون سنة وهكذا، ولكن هناك انواع اخرى من العمر، وهي اربعة انواع،



العمر البيولوجي:

وهو تحديد عمر الانسان من خلال معرفة حالته البيولوجية وحالة اعضاء ووظائف جسمه، فمثلا قد يكون هناك شخص عمره الزمني عشرون عاما ولكن اعضاء جسمه من قلب ورئة وكبد مثلا تتصرف وكأنها لشخص اكبر بكثير في العمر، وذلك يكون نتيجة اسلوب حياة غير صحي او تدخين او استخدام مخدرات او مرض او عوامل وراثية، فاعضاء الجسم قد "تكبر" اسرع من العمر الزمني، والعكس صحيح، فقد يكون هناك شخص عمره ستون عاما زمنيا ولكن حالة جسمه واعضاءه تكون لشخص اصغر كثيرا في العمر الزمني، وهذا ايضا ينطبق على المظهر الخارجي، فمثلا قد يكون هناك شخصين في نفس العمر ولكن احدهما لديه تجاعيد اكثر او تساقط شعر اكثر او شيب اكثر، فالحالة البيولوجية للجسم قد تعكس عمرا للشخص مختلف عن العمر الزمني،



العمر النفسي:

قد نعرف اشخاصا يكونون في العشرين من العمر ولكن نفسيتهم هي لشخص اكبر كثيرا في العمر الزمني، والعكس صحيح، قد نقابل اشخاصا يكونون متقدمين في العمر ولكن نفسيتهم قد تكون مشابهة للشباب وفي حالات مشابهة للمراهقين، وهذا ما يسمى العمر النفسي، وليس كل الذين هم في عمر زمني معين عندهم نفس العمر النفسي، والعمر النفسي يتحدد بقدرات الشخص ومهاراته وحكمته وفهمه ونضجه ومعرفته بالحياة، فقد يكون هناك طفلا في السادسة ولكن عمره النفسي متقدم عن عمره الزمني نتيجة ذكائه وقدرته العلمية مثلا، وهناك اشخاص في الثلاثين ولكن حكمتهم توازي اشخاص في السبعين واكثر، فالنمو النفسي لا يكون دائما مطابقا وموازيا للنمو الزمني، وهناك عوامل عديدة تؤثر في النمو النفسي مثل تجارب الحياة والعوامل الوراثية وايضا بعض الامراض، وليس من المهم ان يسبق الشخص عمره في النمو النفسي ولكن المهم ان يكون نموه مناسبا للمرحلة العمرية الزمنية التي هو فيها، فكل مرحلة لها تحدياتها ومهامها والشخص السليم نفسيا هو الذي ينجح في مهام كل مرحلة ويعبر الى المرحلة التالية،



العمر الشخصي:

هذا هو العمر الذي يعتقد الشخص انه فيه ويشعر انه عمره، فهناك اشخاص في العشرين ولكنهم يشعرون انهم كبار في السن، وهناك اشخاص في الثلاثين ولكن يشعرون انهم اطفالا في داخل انفسهم، فهذا احساس خاص وشخصي يشعر به الشخص وقد يكون مختلفا عن العمر الزمني، وكثير من تصرفات الشخص تعتمد على هذا الاحساس، وهذا الاحساس الشخصي قد يتأثر بحالة الشخص النفسية، فالاكتئاب مثلا قد يجعل الشخص يشعر انه "كبير" في العمر، وبعض حالات تعدد الشخصية قد تجعل الشخص يشعر انه طفل احيانا وناضج احيانا اخرى، دون الدخول في هذه التفاصيل النفسية من المهم ان نعرف ان احساس الشخص بعمره قد يختلف عن عمره الزمني،



العمر الاجتماعي:

هنا يكون العمر ناتج عن الادوار الاجتماعية التي يقوم بها الشخص، فالمجتمع يتوقع امور معينة من الشخص في كل مرحلة من مراحل الحياة ونظرتهم الى عمره تتحدد بذلك، فمثلا اذا كان هناك شخص عمره خمسون عاما وقد تزوج وانجب وعنده احفاد ومستقل ماديا فالناس قد تعتقد انه "اكبر" في العمر من شخص في نفس العمر الزمني ولكنه لم يتزوج او ينجب ولا يعمل وما زال يعيش مع والديه، فمثلا اذا قابلت انسانة وقالت لك انها جدة فقد تعتقد انها اكبر في العمر من انسانة لم تصبح جدة بعد، لماذا؟ لأن هناك ادوار اجتماعية ومراحل في الحياة، ومثلا اذا كنت تجلس مع شخص وأخذ يحدثك عن معاناته اثناء الحرب العالمية الثانية فانك ستعتقد انه اكبر من شخص يحدثك عن اخر الاغاني الشبابية، مع ان عمرهما الزمني قد يكون نفسه، لماذا؟ لأن كل جيل له اهتمامات واحيانا نعتقد ان شخص ينتمي لجيل معين من مجرد انه يتحدث في مواضيع معينة،



المهم هنا ان نعرف ان العمر الزمني ما هو الا مقياس من مقاييس العمر، فالناس تقيس الزمن من خلال تغير شيئ ما، قد يكون تغير الليل والنهار، وقد يكون تغير شكل الهلال، او قد يكون تغير موقع الشمس او الفصول او حركة عقارب الساعة، لا بد من وجود تغير ما حتى يمكننا قياس الزمن، وقد نقيس الزمن بتغير شكل الانسان او تغير حالة جسمه واعضاءه، او تغير قدراته الفكرية ومهاراته ونفسيته، او نقيس الزمن بتغير احساسه بعمره او وضعه الاجتماعي والمواضيع التي يهتم بها، اشياء كثيرة تتغير حول الانسان وفي نفسه، كل شيئ في الحياة وفي الانسان يتغير، والانسان يحاول ان يحارب مرور الزمن، امور كثيرة يمكن العودة عنها والرجوع الى الوراء فيها، فمثلا ان مشيت مسافة كيلو يمكنك العودة هذه المسافة الى حيث بدأت ولكن الزمن الذي مضى لن يعود، الزمن يسير في اتجاه واحد ولا يمكن عكسه (النظرية النسبية لها بعض النظريات المثيرة للاهتمام في موضوع الزمن)،



فكيف يتعامل الانسان مع حقيقة مرور الزمن؟ هذه من اصعب الامور النفسية، والسلام مع النفس في هذا الموضوع مهم



د. ماجد عبدالعزيز عشي

الأربعاء، 2 سبتمبر 2009

درجات الوعي

هناك امور كثيرة تشغل وعي الانسان في كل لحظة، والوعي لا يعني ان يكون الشخص مستيقظا، فالوعي مستمر اربع وعشرين ساعة خلال حياة الانسان، في النوم يكون الوعي مشغولا بالمشاعر والرغبات والاحلام الداخلية، وفي اليقظة يكون مشغولا بالامور التي تجلبها الحواس من بصر وسمع واحساس، كما يكون مشغولا احيانا بالمشاعر والرغبات واحلام اليقظة، فهناك وعي دائم في حياة الانسان ولكن ما يملأه يختلف من وقت الى اخر،

ولكن ليس كل الناس عندهم نفس النوعية والدرجة من الوعي في حالة اليقظة، فحالة الوعي عند الانسان يمكن ان تتأثر اذا كان يشعر بالنعاس او اذا كان مخمورا او اذا استخدم مخدرات، والوعي يتأثر ايضا ببعض الادوية واثارها، كما يتأثر بالحالة النفسية عند الشخص والمشاكل في حياته، وسأذكر هنا مثالا لتوضيح هذا، كأستاذ جامعي اقف امام الطلاب في قاعة المحاضرات والقي المحاضرة في موضوع معين، وقد يكون في القاعة مائة طالب، ولكن درجة وعيهم بالمحاضرة تختلف، فهناك طلبة يكونون على وعي كبير ويستمعون بتمعن ويكتبون ملاحظاتهم ويسألون ويجيبون، وهناك طلبة وعيهم مشغول بامور اخرى او متاثر بعوامل اخرى، فمثلا هناك طلبة يبدو عليهم النعاس لأنهم لم يناموا جيدا في الليل، وهناك طلبة يسرحون اثناء المحاضرة نتيجة وجود مشاكل في حياتهم او رغبات غير مشبعة او مشاعر مكبوته، وهناك طلبة قد يتأثر وعيهم بدواء او مخدر او غيره، وهناك طلبة عندهم مشاكل نفسية من قلق او اكتئاب مثلا تؤثر على تركيزهم ووعيهم، فهؤلاء الطلبة يجلسون في نفس القاعة ويستمعون لنفس المحاضرة ولكن وعيهم بها يختلف، وهذا ينطبق على مجالات الحياة عموما، فليس كل الناس واعون بما حولهم بنفس الدرجة والنوعية، ولا نقصد الوعي الثقافي ولكن الوعي النفسي والعقلي، ادراك الواقع من حولهم،

والايحاء هو ان تجعل شخص يفكر بطريقة معينة او يفعل شيئ معين وهو يعتقد ان ما يفكر به او يفعله نابع من نفسه وعن قناعة، الناس توحي بعضها لبعض طوال الوقت، فمثلا شخص يقترح اكل نوع معين من الاكل او الذهاب الى مطعم معين والاخرون يقتنعون ويفعلون وربما في رأيهم عن قناعة، هناك اشخاص عندهم القدرة على الايحاء الى الاخرين وهناك اشخاص من السهل الايحاء اليهم ودفعهم الى فعل امور معينة، كما ان هناك اناس من الصعب الايحاء اليهم، الشخص الذي تعود على الطاعة منذ الصغر يسهل الايحاء له، فهو مطيع، وكل ما في الامر ان الشخص الذي يعطي الاوامر او الايحاءات تغير، ولكن الشخصية المطيعة من السهل الايحاء لها بامور، اما الشخصية الاستقلالية والتي تفكر جيدا في الامور فانها يصعب الايحاء لها، وهذه الايحاءات تؤثر على الطريقة التي يفكر ويتصرف بها الشخص ورؤيته للامور، وهذه المعاني موجودة في الدين عندما شجع الناس على التفكير والتدبر وعدم الانصياع الاعمى للاوامر وما وجدوا عليه الاباء، كما حدث مثلا في قصة أبراهيم عليه السلام،

غالبية مشاكل الناس تنتج عن وعي متأثر بعواطف جياشه او مخدرات او خمر او مشاكل نفسية عميقة او مجرد ارهاق وعدم راحة، كما تنتج عن تأثر الوعي بالايحاء من قبل اشخاص عندهم قدرة على ذلك، والشخص يكون عرضة اكثر للايحاء اذا كان صغيرا في السن او قليل الخبرة او الثقافة او مرهقا او تحت تأثير مسكر او مخدر او مرض نفسي، او اذا كان في حاجة شديدة للحب والتقبل والانتماء مما يدفعه للطاعة على امل الحصول على هذه الامور، او اذا كان في حالة انعزال اجتماعي او فكري بحيث يصبح الشخص الذي يوحي هو المصدر الوحيد للمعلومات وتعريف الواقع، فعزل الشخص عن اهله ومجتمعه والاعلام والثقافة شرط اساسي من شروط قوة الايحاء حيث يكون الشخص معتمدا بشكل شبه تام على الموحي في تعريف نفسه والاخرين والواقع، فوعي الشخص هنا تكون بناء على الانعزالية، ويصبح هناك خوف وكره شديد لكل ما يهدد تصوراته الناتجة عن هذه الانعزالية والايحاءات، ويتجنب الشخص الاختلاط بمن لهم وعي مختلف، ويختلط فقط مع من يشاركونه نوعية الوعي، فمثلا نجد المدمنين دائما يجتمعون في جلسات خاصة وكذلك المنحرفين والمجرمين بانواعهم،

هناك انواع من الوعي يتشارك فيها عامة الناس، ولكن هناك انواع من الوعي تكون شاذة ومنحرفة ومتطرفة وناتجة عن عوامل غير طبيعية، وينتج عن حالات الوعي الشاذة هذه تصرفات شاذة، ومن وظيفة اهل العلم والمفكرين والادباء والمثقفين والاعلام واهل الحل والعقد صناعة وعي انساني راقي قائم على مفاهيم وتصورات واخلاق بناءة صالحة للفرد والمجتمع ومقاومة انواع الوعي الشاذة الناتجة عن خلل نفسي او اسري او ثقافي او غيره،

د. ماجد عبدالعزيز عشي

الخميس، 27 أغسطس 2009

أنواع الدوافع

الدافع هو ما يحرك الانسان نحو هدف ما، والدافع هو ايضا ما ينظم السلوك لتحقيق الهدف ويكفل استمرارية السلوك الى ان يتم تحقيق الهدف، فمثلا قد يكون الانسان جالسا في غرفته في مقعد مريح ولكنه يشعر بالجوع، هذا الجوع والرغبة في الاكل توجد دافعا نحو الاكل، فيقوم الشخص من مقعده ويذهب الى المطبخ ويبحث عن أكل او يبدأ في تحضير وجبة، فالدافع هنا رتب السلوك لتحقيق الهدف، فهو مثلا لا يقوم من مقعده ويبدأ في ترتيب الغرفة لأشباع حاجته الى الأكل، لكل دافع سلوكيات معينة على الشخص القيام بها لتحقيق اشباع ذلك الدافع المعين، وبعد الاكل وتحقيق الهدف والاشباع يتوقف الدافع والسلوك، وهذا يحدث في كل الدوافع تقريبا، احتياج ثم دافع ثم سلوكيات لتحقيق الهدف واشباع الاحتياج ثم انتهاء الدافع والسوك لفترة الى ان يظهر الاحتياج مرة اخرى، وهناك انواع من الدوافع حسب تقسيم العلماء،

فهناك دوافع أولية، وهي الدوافع الغريزية التي لا يتعلمها الانسان مثل دافع الاكل والشرب والرغبة الجنسية، وهناك دوافع ثانوية وهي الدوافع التي يتعلمها الانسان الى حد ما، ومن الدوافع الثانوية الدافع الى تكوين علاقات اجتماعية، والدافع الى التحكم في الاخرين، والدافع الى التعلم، والدافع الى جمع المال، والدافع الى التفوق، وما الى ذلك، وهناك اناس يكون عندها دافع معين هو المصيطر في حياتها، فمثلا هناك من يصيطر عليهم دافع الاكل او الرغبة الجنسية او حب التحكم او الرغبة في التفوق وهكذا، فاذا اردت ان تعرف لماذا يختلف الناس عن بعضها البعض عليك ان تعرف ما هو الدافع او الدوافع المصيطرة على الاشخاص،

وهذه الدوافع المصيطرة قد تنشأ نتيجة تاريخ الانسان ونشاته واحداث حياته، فمثلا الشخص الذي كان ضعيفا جسديا ويؤذيه الاطفال الاخرون في الطفولة قد ينشأ عنده دافع كبير نحو القوة، والدافع احيانا قد يكون مرضيا وغير طبيعي كشخص عنده دافع لتعذيب الناس مثلا، فوجود دافع ما لا يعني بالضرورة انه دافع طبيعي ويجب اشباعه، وهناك عوامل بيولوجية ووراثية تتداخل مع عوامل اجتماعية وحضارية لتكوين الدوافع عند الناس، فمثلا الناس لا تأكل فقط للتغذية، ولكن تأكل لعوامل اجتماعية وحضارية مختلفة،

وهناك دوافع تكون ناتجة عن احتياج عند الشخص، فمثلا الانسان الوحيد قد يكون عنده دافع للتواصل مع الناس، ولكن هناك دوافع تسمى دوافع نمو، فهي لا تنتج عن حاجة ولكن رغبة في النمو، فمثلا الشخص الذي يتعلم لغات عديدة بعد التقاعد لا يفعل ذلك عن حاجة ولكن رغبة في تكوين مهارات اخرى في حياته،

وهناك دوافع داخلية ودوافع خارجية، فمثلا الشخص الذي يجلس بالساعات يمارس هواية يحبها يكون دافعه داخليا، فهو يفعل ما يفعل لأنه يستمتع به، ولكن الشخص الذي يعمل في وظيفة يكرهها ويقوم بها فقط من اجل المرتب دافعه خارجي وهو المال، ومن الجميل ان يكون هناك الدافعين معا، ولكن الدافع الخارجي وحده لا يضمن استمرارية العمل، فالشخص سيتوقف ان توقفت المكافئة الخارجية، اما الدافع الداخلي قد يكون اكثر استمرارية، هناك اناس تحركهم الدوافع الداخلية اكثر من غيرهم، فاهدافهم لا تكون واضحة للاخرين لأن هدفهم هو في داخل انفسهم، وهناك اناس تحركهم الدوافع الخارجية اكثر،

أحيانا يكون هناك صراع في داخل الشخص بين عدة دوافع، فمثلا قد يكون الطالب عنده الدافع للدراسة ولكن عنده الدافع للخروج مع الاصحاب في نفس الوقت، هنا يحدث صراع داخل الشخص، والشخص الناضج هو الذي يفهم دوافعه واحتياجاته ويعرف كيف ينظمها وينظم سلوكياته لأشباع دوافعه،

د. ماجد عبدالعزيز عشي

الاثنين، 24 أغسطس 2009

فن الاسئلة

كثير من الناس لا يعرفون أهمية الاسئلة، نحن نركز كثيرا على المعرفة والقدرة على الاجابة ولكن لا نركز كثيرا على فن الاسئلة، السؤال هو كمفتاح لكنوز المعرفة، اغلبية النظريات والاكتشافات العلمية بدأت بأسئلة في عقول العلماء، واغلبية الفلسفات بدأت بأسئلة، وحتى في الدين، هناك تشجيع على السؤال والتعجب والتدبر: من خلق هذا الكون؟ ما هو دوري في الحياة؟ بداية المعرفة هي السؤال، العلماء والمفكرين يسألون أسئلة جديدة ومهمة لكثير من الناس، ويفتحون بأسئلتهم طريقا جديدا للفكر والمعرفة الانسانية،

والسؤال يدل على حب الاستطلاع، كأستاذ جامعي أحب الطلاب الذين يسألون أسئلة تدل على حب طلب العلم والذكاء، فهذا يدل على اهتمام وجوع للمعرفة، وحتى في علاقاتنا الشخصية الاسئلة مهمة، من العلامات الطيبة ان تكون مع شخص ويسألك عن حالك، اذا كنت تحبه فسترى ذلك اهتماما، واذا لم تكن تحبه فسترى ذلك تدخلا في ما لا يخصه، غالبا عندما يسألك شخص سؤالا عنك فهو يحاول الاقتراب منك ويحاول معرفتك اكثر،

وهناك رجال يقعون في الحب لأن المرأة تسأل اسئلة ذكية وحاذقة، فهذا فن في حد ذاته، هناك امرأة تخبرك بالكثير الكثير بمجرد ان تسألك سؤالا، قد تكون صامتة طويلا ولكنها تسألك سؤالا واحدا يفتح عقلك ومداركك لأمور كثيرة دون كلام كثير، هي تعرف متى تسأل وكيف تسأل،

التوقيت مهم حتى في السؤال، السؤال الجيد هو السؤال الذي يكون في وقته تماما، عندما يكون الشخص والناس مستعدون له، عندما يكون هناك حاجة للسؤال عند الفرد والمجتمع، أحيانا تكون الظروف مناسبة لولادة سؤال معين، والحاذق هو الذي يستشعر الظروف ويعرف متى يسأل، والعلاج النفسي في غالبه قائم على فن الاستماع وفن السؤال،

السؤال يفتح عقل السائل، فأنت عندما تسأل فانك تفتح نفسك لأجابة، هل تذكر عندما كنت طفلا وكنت تسأل عن كل شيئ؟ لماذا توقفت؟ ما الذي حدث؟ تسائل يا عزيزي، فهذا سر من اسرار السعادة،



د. ماجد عبدالعزيز عشي

السبت، 22 أغسطس 2009

انواع الذاكرة والنسيان

هناك انواع من الذاكرة، فالذاكرة ليست نوع واحد، ويقسم العلماء الذاكرة الى ثلاثة انواع:

الذاكرة الحسية
مثلا عندما تكون في غرفة فانك ترى وتسمع وتحس بامور كثيرة، ولكن هذه الصور والاصوات لا تبقى في ذاكرتك لاكثر من ثانيتين، فمثلا انت جالس على الكمبيوتر الان ولكن عيناك قد رأت مرارا الشعار الذي في اعلى الصفحة على يسارك ولكن في اغلب الاحيان لا تتذكر هذا الشعار ولونه وشكله مع انك رأيته، لماذا؟ لان هذه الصورة دخلت في احساسك وبقيت في ذاكرتك الحسية لمدة ثانيتين او اقل وذهبت، لماذا؟ كل الامور تدخل في البداية الى هذه الذاكرة الحسية، والمهم هو ما يتم تحويله الى انواع الذاكرة الاخرى اما غالبية الامور تنسى، فمثلا عندما تكون تسوق سيارتك، هناك سيارات كثيرة امامك تظهر وتذهب واشارات وشوارع وكلها تدخل في ذاكرتك الحسية لمدة ثواني حتى يمكنك تجنبها وبعد ذلك تنساها، فانت لا تتذكر كل سيارة مرت امامك في الطريق، وهذا امر مفيد حتى لا تزدحم الذاكرة بامور كثيرة ليست مهمة، ولكن الامور المهمة تتحول من الذاكرة الحسية الى الانواع الاخرى،

الذاكرة قصيرة المدى
هذه الذاكرة تحمل الامور لدقائق وبعد ذلك تنسى الا اذا كانت مهمة تتحول الى نوع اخر من الذاكرة، فمثلا انت في حفلة وقابلت شخصا وهو على وشك مغادرة الحفل واحببت ان تحصل على رقم هاتفه ولكن ليس معك قلم او هاتف تسجل به الرقم، قد تقول له ان يخبرك برقمه وتعيد هذا الرقم في ذاكرتك مرارا وانت تبحث عن ورقة وقلم لتسجل الرقم، الذاكرة قصيرة المدى هي التي تحمل الرقم الان في هذه الدقائق الى ان تسجل الرقم وبعد ذلك ينسى، وتسمى هذه الذاكرة ايضا الذاكرة العملية لاننا تستخدمها بشكل كبير في اعمالنا اليومية العادية، فمثلا في عملك قد يخبرك المدير بعمل اشياء ما خلال اليوم، كأن تتصل بالشركة الفلانية، وان تكتب الخطاب الفلاني، انت تحمل هذه الامور في الذاكرة القصيرة المدى حتى تنتهي منها وبعد ذلك تنساها، وهذا ما يحدث مع الطلبة ايضا، يحضر الطالب المحاضرة او الدرس ويستمع الى الاستاذ ويفهم الموضوع وان سالته بعد المحاضرة عن ما قاله الاستاذ لاخبرك بالتفصيل ولكن بعد شهر قد ينسى غالبية المحاضرة، لماذا؟ لان المعلومات تخزنت في الذاكرة قصيرة المدى وبقيت هناك فترة وذهبت، ولكن ان قرأ الطالب المحاضرة وذاكر مرارا ستتحول المعلومات من الذاكرة القصيرة المدى الى الذاكرة طويلة المدى،

الذاكرة طويلة المدى
هذه الذاكرة هي التي تحمل المعلومات المهمة لنا ولسنوات واحيانا طول العمر، فامور حدثت ولكن لاهميتها تحولت من الذاكرة الحسية الى الذاكرة قصيرة المدى ومنها الى الذاكرة طويلة المدى، فهنا تجد مثلا قصة حياتك والاحداث المهمة من تخرج وزواج وغيرها، كما نجد ذكريات الصدمات النفسية التي بقيت في الذاكرة، وهنا ايضا نجد الذاكرة المتعلقة بالمهارات من قيادة السيارة او استخدام الكمبيوتر مثلا، فهذه نوع من انواع الذاكرة طويلة المدى،

فهناك احيانا خلل يحدث في عمليات الذاكرة، فالذاكرة لها اسس بيولوجية في المخ، وكل نوع له خلاياه واسسه العصبية، فمثلا قد يتعرض شخص لحادث سيارة يضر بمنطقة معينة في المخ مما يؤثر على نوع ما من الذاكرة، فمثلا قد يفقد الذاكرة البعيدة المدى، بمعنى ان ينسى تاريخه او جزء منه، والكبر في السن قد يؤثر على الذاكرة، فقد ينسى الشخص مهارات عملية تعلمها في الصغر مثل استخدام الكمبيوتر، وقد يكون الخلل في عملية تحويل الذاكرة من القصيرة المدى الى البعيدة المدى، ولذلك نجد احيانا ان الشخص يجد صعوبة في تعلم امور جديدة، ليس لانه غير قادر على فهمها ولكن لانه غير قادر على تحويلها من منطقة الذاكرة قصيرة المدى الى الذاكرة بعيدة المدى، وهناك اسباب عديدة للنسيان، فقد يكون بيولوجيا كما في حالات الالزيمر، او قد يكون ناتج عن استخدام ادوية او مخدرات، او ناتج عن امراض عضوية مثل الاورام في المخ، وقد يكون سبب النسيان نفسيا مثل في حالات بعض الاضطرابات النفسية كتعدد الشخصيات، او بعد الصدمات النفسية حيث يكون النسيان هو اسلوب للتكيف مع واقع مر وامور لا يريد ان يتذكرها الشخص، واحيانا يكون النسيان نتيجة عدم تكرار الامر كما في حالة الطالب الذي ينسى المحاضرة،

اذا نظرت الى نفسك بتمعن لرأيت انك الى حد كبير مجموعة ذكريات تشكل تاريخك وشخصيتك، انت هذه الذكريات، والذكريات قد تكون صحيحة وقد لا تكون، ولو حدث ان مسحت هذه الذكريات فمن تكون ياترى؟ سينسى الانسان اسمه وزوجه واولاده وعنوان بيته وعلمه وعمله، وينسى حتى كيف يأكل او يلبس او يكتب، وهذا ما يحدث عند المرضى بالالزيمر والذي يصيب بعض كبار السن، وبعض الاهالي يأخذون الامر مزاحا وقد يجرحون مشاعر الكبير، وهم لا يعلمون مدى اضطراب مشاعر الكبير وهو يجد نفسه ينسى تدريجيا اهم ما عنده في الحياة، ان معاناة الناس هي نداء يتطلب من الاخرين الحنان ومد يد العون والرحمة، وليست مجالا للاستهزاء اوالشماته، فلا بد من وجود مستوى معين من التوعية والثقافة عند اهالي المرضى كبار السن الذين تتأثر عندهم الذاكرة، واعلموا ان الشخص قد يفقد ذاكرته ولكنه يكون قادرا على الحب وجميع المشاعر، فالانسان قد يحب دون ان يتذكر، القدرة على الحب تسبق تكوين الذاكرة عند الانسان، قد ينساك الكبير في السن ولا يعرف من انت، ولكنه عندما يراك يبتسم لك ابتسامة صادقة ويضمك الى صدره ويعطيك حبا صادقا دون ان يعرف من انت، هو يحبك بصدق دون ان يريد منك أي شيئ،

د. ماجد عبدالعزيز عشي

الثلاثاء، 18 أغسطس 2009

اتخاذ القرارات

الانسان منا يواجه بشكل يومي بمواقف تتطلب منه اتخاذ قرارات، وان يختار بين امور، وهذه القدرة يتعلمها الانسان منذ الطفولة بمراقبة اهله في طريقة اتخاذهم للقرارات، وبالتعليم الذي يتعلمه في البيت والمدرسة والاعلام، ولو لاحظنا لوجدنا ان كثير من مشاكل الشخص تعود لقرارات خاطئة او اختيارات غير سليمة سواء كان ذلك في حياته المادية او الاجتماعية او العاطفية او حتى السياسية، والمجتمعات العربية عموما تربي اطفالها على الطاعة، والعلاقات تكون دائما تقريبا "عامودية"، بمعنى ان هناك شخص اعلى يعطي الاوامر وشخص ادنى يطيع، سواء كان ذلك في العمل او البيت او في العلاقات الاجتماعية، والشخص الذي يطيع في العمل يأمر في البيت، فكل العلاقات تقريبا تكون "عامودية"، فالاطفال يتعلمون الطاعة في البيت والمدرسة وغيرها، وعندما يكبرون نجدهم يفتقدون لمهارات اتخاذ القرارات الصحيحة التي فيها مصلحتهم ومصلحة الاخرين، وينتظرون ان يعطيهم احد الاوامر، ويفتقدون لروح المبادرة،

وكثير من الاطفال يجدون اهلهم غير قادرين على اتخاذ القرارات، او يتخذونها باسلوب خاطئ، او يتخذون قرارات خاطئة عديدة، فبعض الناس يتخذون قرارات بناء على رغبات لحظية دون النظر لما هو بعيد، والبعض يتخذون قرارات بعد النظر لجانب واحد من الموضوع ودون دراسة الموضوع من كل الجوانب وبشكل كافي، والبعض يتخذون قرارات بناء على اوهام او امل او اماني او خوف او غضب وليس بناء على حقائق ووزن للامور، وبعض الناس يتخذون القرارات بناء على معلومات خاطئة وغير صحيحة ودون دراسة للموضوع، والبعض لا يتخذون أي قرار ويعتمدون على الاخرين في اتخاذ القرارات للهروب من المسؤولية وللوم الاخرين ان فشل الامر، واحيانا فقط نتيجة انه لا يسمح لهم باتخاذ القرارت من قبل الاخرين،

اتخاذ القرارات الصحيحة هي قدرة مهمة للشخص وللمجتمع عموما، فمستقبل المجتمع يعتمد على مجموع القرارات الفردية التي يأخذها الافراد في حياتهم الشخصية والعملية والاجتماعية، وان كان هناك نسبة كبيرة من المجتمع تتخذ قرارات خاطئة ولها نتائج سلبية فان ذلك سينعكس على المجتمع ككل، وهذه القرارات قد تكون صحية كاستخدام المخدرات او التدخين او الاكل الغير الصحي، وقد تكون قرارت اجتماعية من النوع الذي يخلق مشاكل بين الناس، او قرارات عملية كأخذ الرشوة وخيانة الامانة والتكاسل في اداء العمل، او قرارات تتعلق بالسرقة والاعتداء، القرارات الشخصية هي كحبات المطر، تتراكم ويأتي منها السيل، كل شخص ينظر الى قراراته على انها امور صغيرة وشخصية كأنها مجرد حبة مطر، ولكنه ينسى ان حبات المطر ستتراكم وتتجمع وتكون في مجموعها امور مهمة وخطيرة على حياة الناس، والبعض ينظرون الى قراراتهم على انها اشياء صغيرة مثل كرة ثلج صغيرة تتدحرج من جبل عالي تغطيه الثلوج، فما الضار في كرة ثلج صغيرة تتدحرج، ولكنها مع الوقت ستكبر وتكبر وقد تصبح كرة كبيرة تدمر قرية بكاملها، والحرائق الكبيرة تبدأ بعود ثقاب او شعلة صغيرة، والمجتمع كسفينة، ولو ان كل شخص قرر، بناء على حريته الشخصية، عمل ثقب صغير في غرفته في السفينة لغرقت السفينة، القرارات الصغيرة والفردية مهمة،

فلا بد من حملة توعية لتعليم الناس منذ الطفولة كيفية اتخاذ القرارات السليمة، والقرار السليم يكون مبنيا على حقائق لا ظنون واوهام واحلام وامال، بالطبع الانسان محدود في علمه بالماضي والحاضر والمستقبل، ولذلك هناك دائما احتمال ان لا يكون القرار سليما تماما، او ان يكون سليم في مرحلة وليس في مرحلة اخرى، وأخذ المشورة من العلماء والعقلاء والحكماء والصالحين وذوي الخبرة سيساعد الشخص الى حد كبير في تجميع المعلومات المطلوبة لاتخاذ افضل قرار، ولكن البعض يأخذون المشورة من الجهلاء والطامعين او من اصدقاء السوء او حتى من اشخاص غير مؤهلين نفسيا او خلقيا لبذل المشورة، القدرة على اتخاذ القرارات هي مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتق الانسان، ولا بد ان يعطيها حقها


د. ماجد عبدالعزيز عشي

الأحد، 16 أغسطس 2009

الطريق

كنت اسكن في مدينة صغيرة جميلة تبعد عن مدينة بوسطن حوالي اربعين دقيقة بالسيارة، وكنت انتهي من محاضراتي الساعة العاشرة والنصف ليلا حيث انني كنت ادرس موادا مسائية، وبعد انتهائي من المحاضرات ابدأ رحلة عودتي الى المنزل، جميع المحلات التجارية في مدينة بوسطن والمدن المحيطة بها تغلق حوالي السابعة مساء، وجميع المطاعم تغلق حوالي العاشرة مساء، وغالبية محطات البنزين تغلق حوالي الحادية عشرة مساء الا بعض المحطات والبقالات التي تعمل على مدار الساعة وهم قلة، غالبية الناس تنام حوالي الساعة التاسعة او العاشرة مساء، فدوام العمل هنا هو عموما بين الساعة التاسعة صباحا والخامسة عصرا، وهناك ساعة للغداء، فالناس تحتاج ان تنام حوالي الساعة العاشرة حتى يستيقظون من الساعة السادسة صباحا استعدادا للعمل والمدارس، ونتيجة هذه الظروف يكون طريق عودتي الليلي شبه خاويا، واضاءة الطرقات هنا خافتة واحيانا معدومة تماما والمسافة بين اعمدة الانارة بعيدة، وهناك اشجار كثيرة تظلل الطرقات وخصوصا عندما اكون في الجزء من الطريق الذي يعبر خلال المناطق الزراعية والحقول، فيكون الطريق مظلما ولا ارى شيئا سوى المنطقة التي يضيئها نور السيارة، والجو في بوسطن يغلب عليه الامطار والثلوج، ففي كثير من الاحيان يكون الجو ممطرا واحيانا بغزارة، مع وجود رعد وبرق متكرر وصواعق، ويضيئ البرق الطريق امامي احيانا وخصوصا عندما اكون اسير في طريق مظلم زراعي بلا اضاءة، وعادة احب ان امضي الوقت في هذا الطريق في صمت، دون راديو او موسيقى، لأنني اكون قد امضيت على الاقل خمس ساعات متواصلة في القاء المحاضرات واحب ان امضي هذا الوقت في هدوء، وبالطبع اذكر اناس احبهم،

وأجد في طريقي هذا دروسا وعبر، فالطريق يكون عادة مضاءا في بدايته ولكن بعد ذلك اخرج من المدينة وادخل في المناطق الزراعية المظلمة، ولعدة اميال اكون وحيدا في الطريق الزراعي، ولكن بعد فترة ادخل مدينة صغيرة اخرى، المحلات الصغيرة الجميلة منارة بانوار خافتة ولكنها كلها مغلقة، وبعد ذلك اعود الى الطريق المظلم، واحيانا يكون هناك مطر غزير في منطقة في الطريق ولكنه لا يكون موجودا في منطقة اخرى، هكذا هو جو هذه المنطقة، وانظر الى هذا الطريق على انه يمثل الحياة عموما، احيانا طريق الحياة يكون جميلا منارا مليئ بالحيوية والنشاط، واحيانا نمر بمراحل في حياتنا تكون مظلمة وممطرة ومليئة بالرعد البرق والصواعق ويكتنفها الغموض وعدم الوضوح، وفي هذه الفترة الصعبة لا يمكننا ان نرى ابعد من مسافة امتار في تلك الظلمات، ولكن ان استمرينا وصبرنا وعملنا ما نستطيع فان الظلمات ستنقشع وسنمر مرة اخرى بمرحلة فيها النور والجمال، من اجمل الحكم التي قرأت انه كان هناك ملكا، وطلب من حكماء مملكته ان يكتبوا شيئا على خاتمه، ان قرأه وهو سعيد بكى، وان قرأه وهو حزين سعد، وتنافسوا فيما بينهم الى ان استطاع احكمهم الوصول الى الجملة، فكتب: "ان حالك لن يدوم"، فكلما قرأ الملك تلك الجملة وهو حزين سعد، وكلما قرأها وهو سعيد حزن، اجد هذه الحكمة في طريقي، الحال لا يدوم، والطريق يتغير، والحياة وظروفها تتغير، ربما تكون اليوم الظروف ضدك، ولكن انتظر قليلا، فربما تتغير الاحوال وتصبح الظروف في صفك،

صعوبات الحياة هي كالمكبر الذي يظهر من انت، تخرج المكنون في نفسك من صفات، وربما تجهزك لما هو اهم، ولتحمل اعباء ومهام اكبر، انظروا في التاريخ وستجدون ان الصعوبات والمآسي التي مر بها بعض الناس كانت هي ذاتها ما جهزهم لتحمل مسؤوليات اكبر، واحيانا ساعدتهم على تكوين فهم للحياة وسعادة اعمق، الطريق قد يكون شاقا ومظلما احيانا، وموحشا ومخيفا ووحيدا احيانا، قد تعتقد ان الكل تخلوا عنك وان لا احد يحبك، وقد تعتقد ان كل الظروف ضدك، وقد تشعر باليأس والتعب وتقترب من الانهيار، ولكن فجأة تنكشف الغمامة وينقشع الظلام وتتغير الاحوال، دوام الحال من المحال، انتظر، وسر في الطريق، وتوكل على الله سبحانه،

في ظلام الطريق ربما يصعب البصر ولكن وقتها يكون دور البصيرة، وما اسعدك عندما تكتشف دور البصيرة،

د. ماجد عبدالعزيز عشي

السبت، 1 أغسطس 2009

الارق وعلاجه

من اكثر المشاكل التي يعاني منها الناس اليوم مشكلة الارق، وسأعرض هنا لبعض الامور المتعلقة بالارق،
الارق يعرف على انه عدم القدرة على النوم او الاستيقاظ المتكرر اثناء النوم وعدم القدرة على العودة للنوم، الانسان يحتاج من ست الى ثمان ساعات من النوم يوميا، والنوم الصحي هو النوم المستمر اثناء النوم والذي يتبعه استيقاظ واحساس بالحيوية والنشاط بعد الاستيقاظ، وهناك انواع من الارق واسباب مختلفة له،

فهناك ارق ناتج عن اسباب طبية، فهناك امراض جسمانية قد تسبب الارق مثل حموضة المعدة والالم المزمن وبعض حالات السرطانات، فالارق قد يكون عرضا لوجود مرض عضوي، كما يمكن ان ينتج الارق كعرض جانبي لبعض الادوية، فكثير من الادوية يمكن لها ان تسبب الارق، وقد ينتج الارق عن الانسداد المتكرر لمجرى التنفس او ما يسمى اسليب ابنيا، ويكون ذلك نتيجة السمنة مما يجعل الشخص يشعر بخنقة في التنفس ويستيقظ مرارا في الليل وقد لا يشعر بذلك بوعي ولكن نومه يكون متقطعا واثناء النهار يشعر بالتعب والنعاس، كما يمكن ان ينتج الارق عن امراض تسبب الحاجة للتبول المتكررة مثل امراض السكر والبروستاته، مما يوقظ الشخص مرارا اثناء النوم، والحمل قد يسبب بعض الارق نتيجة توقع الولادة والمولود وحركة الجنين في البطن وعدم الراحة في النوم والتغيرات الهرمونية عند الام وقلقها بشأن تغير حياتها بعد الولادة، والارق قد ينتج عن الاكثار من مادة الكفايين الموجودة في القهوة والشاي والصودا ومشروبات الطاقة، كما يمكن ان ينتج عن مادة النيكوتين الموجودة في السجائر، وكثير من انواع المخدرات يمكن لها ان تسبب الارق ايضا، والارق يمكن ان يكون علامة لوجود مرض نفسي، فهناك امراض نفسية عديدة تكون مصحوبة بارق مثل امراض القلق والاكتئاب،

ولابد من التفريق بين الارق المؤقت والارق المزمن، الارق المؤقت يكون ناتجا عن ظروف مؤقتة مثل ضغط نفسي نتيجة وجود مشاكل مادية او اجتماعية او لتوقع حدث سيئ او سعيد، فمثلا قد يقلق الشخص اذا كان ينتظر نتيجة الاختبارات او نتيجة عدم القدرة على دفع دين وما الى ذلك، وهناك فرق بين الارق الاارادي والحرمان من النوم، فالشخص قد يضطر احيانا للسهر لرعاية مريض او لعمل او دراسة او سفر، وهذا لا يعتبر ارقا، الارق هو عدم القدرة على النوم مع الرغبة والتجهيز لذلك، وكما ذكرنا فالارق يمكن له ان يكون مؤقتا ويزول بزوال الظروف المسببه له، ويمكن ان يكون مزمنا،

النوم هو عملية طبيعية ولها عوامل فسيولوجية تتحكم فيها، كل الحيوانات تنام، النوم يساعد الجسم على الاسترخاء وتجديد الطاقة، كما يساعد في تفريغ المشاعر من خلال الاحلام، وهرمونات النمو التي تساعد الاطفال على النمو وتعمل على تجديد خلايا الجسم عند الكبار تفرز اثناء النوم، فالنوم الصحي مفيد للجسم والنفس وللجمال ايضا، والارق المزمن قد يسبب امراضا جسمانية ونفسية، فالانسان قد يصاب بحالات نفسية خطيرة ان اصابه الارق المستمر لعدة ايام، وقد تأتي له الهلاوس والظنون وقد يتصرف كالسكران من حيث قدرته على قيادة السيارة او تصرفاته وقراراته عموما،

وهنا بعض النصائح المتعلقة بتجنب الارق:
1. حاول ان تنظم نومك، ادخل الى السرير في نفس الساعة كل ليلة واستيقظ في نفس الوقت باستخدام المنبه، هذا سينظم افراز الهرمونات المسؤولة عن تنظيم النوم في الجسم، النظام مهم لتنظيم النوم،
2. تجنب نوم بعد الظهيرة، هذا النوم قد لا يجعلك تشعر بالنعاس في الليل
3. تجنب شرب المنبهات من قهوة وشاي وصودا
4. تجنب التدخين وبالطبع استخدام اي من المخدرات
5. تجنب الرياضة قبل النوم، قم بالرياضة 3-4 ساعات قبل موعد النوم، الرياضة تنبه الجسم وتجعل القلب يخفق بسرعة وهذا لا يساعد على النوم،
6. تجنب الاكل مباشرة قبل النوم، الاكل قبل النوم قد يسبب تخمة وصعوبة في الهضم، الوجبة الخفيفة تساعد اكثر،
7. تجنب شرب الكثير من السوائل قبل النوم، هذا سيقلل من احتمال الحاجة للاستيقاظ للذهاب للتبول
8. تجنب مشاهدة الاخبار او الامور التي تسبب القلق قبل النوم،
9. تجنب الجدال مع الاخرين قبل النوم، وتجنب الحديث في الهاتف وانت في السرير، وتجنب الاكل او المذاكرة في السرير، السرير مكان للراحة ولا يجب ان يرتبط بالخصام او الاكل او المذاكرة،
10. اذا شعرت بالارق فلا تجبر نفسك على النوم، انتظر عشرين دقيقة في السرير واذا لم تنم قم واعمل شيئا مثل قراءة كتاب او قصة او مشاهدة التلفزيون قليلا، وعد للسرير بعد ذلك،
11. جهز نفسك للنوم من خلال الصلاة او الدعاء او قراءة القرآن والاسترخاء، وفكر في خيالات جميلة تجلب لك الراحة النفسية،
12. جهز مكان نومك من خلال جعل السرير مريحا ودرجة حرارة الغرفة مناسبة، واعمل على ان تكون الاضاءة خافتة من خلال ابجورة بجانب السرير يمكن اطفاءها اذا رغبت، وان يكون هناك هدوء في الغرفة من خلال اغلاق مصادر الضوضاء ومنعها،
13. اذهب الى السرير في نفس الوقت يوميا حتى لو لم تكن تشعر بالنعاس،
14. اذا كنت قد اخطأت في حق أحد حاول حل الموضوع اثناء النهار واعتذر واصلح الامور، عذاب الضمير قد يمنعك من النوم،
15. اعلم ان القلق والارق لن يحل اي مشكلة، نم وعندما يأتي الصباح يمكنك العمل على حل مشاكلك،
16. تأكد ان سبب الارق ليس بسبب مرض جسدي او نفسي من خلال زيارة الطبيب والكشف العام،
17. قم بنشاط جسدي خلال اليوم فذلك يساعدك على الاحساس بالتعب والنعاس عند النوم،
18. تحدث مع قريب او صديق تثق فيه عن الامور التي تزعجك او تقلقك في حياتك فهذا يساعدك على تخفيف التوتر النفسي وتخفيف الكوابيس الناتجة عن مشاعر مكبوته،
19. اجعل لك جدول يومي جميل وخصوصا في الصباح يشمل الاستحمام والصلاة والافطار الجيد وشيئ من الرياضة الخفيفة، المهم هو ان تشعر بان هناك يوم جميل ينتظرك،
20. تجنب الحبوب المنومة فبعضها يسبب الادمان عليها والبعض يسبب الارق في حالة التوقف عن استخدامها، عادة تستخدم هذه الحبوب لعدة ايام فقط، ويمكن اكل الديك الرومي لاحتواءه على مادة التربتوفان المساعدة على النوم، وشرب عصير الليمون والشاي الخالي من الكافيين،

وتذكر ان الاشياء الجميلة والممتعة في الحياة هي اشياء بسيطة ولا تكلف الكثير، فشروق الشمس والافطار الطيب والمشي قليلا وقراءة الجريدة لا تتطلب الكثير من المال، ولكنها اشياء تجلب الكثير من السعادة، اجعل حياتك بسيطة تعش سعيدا، وتنام سعيدا،

د. ماجد عبدالعزيز عشي

الثلاثاء، 21 يوليو 2009

أساليب التربية الثلاثة

وجد العلماء انه يمكن تصنيف اساليب الاهالي في التربية الى ثلاثة انواع، وسوف اعرض هنا الى كل اسلوب ونتائجه،

1. اسلوب التربية المسيطر:
وهنا يكون هدف الوالدين هو السيطرة على الطفل، وتكون العلاقة بينهم قائمة على "الامر والطاعة"، ومهم عندهم الاحترام، ويميلون الى استخدام وسائل منها العنف والاهانة والعقاب والتخويف، وكلها تهدف الى السيطرة على الطفل وجعله يفعل ما يأمرونه به، هنا ينشأ الطفل وقد تعلم الطاعة، فيفتقد الى المبادرة والتلقائية والشخصية الواثقة من نفسها والقدرات الخلاقة، وقد يكون مهزوزا ويعاني من بعض المشاكل النفسية، والاهل قد يعتقدون ان هذا الطفل "مؤدب" نتيجة طاعته والتزامه بالتعاليم، ولكنه قد يتعلم النفاق والازدواجية حيث يتصرف امام الاهل بشكل ومن ورائهم بشكل اخر، فهو لم تزرع فيه المبادئ وانما تدرب على الطاعة، ونجد مثل هؤلاء عندما يسافرون للخارج ولا يكونون تحت رقابة الاهل يتصرفون تصرفات خارجة عن أي تقاليد واعراف حتى تقاليد وأعراف الدول المستضيفة لهم، وقد يستخدمون نفس الاساليب في تربية اولادهم وعندما تحاول توضيح ضرر هذه الاساليب لهم يقولون "انا تربيت على ذلك، انظر طلعت رجال!"، وهم لا يدرون ان بهم من العلل الكثير وان اساليبهم في البيت والعمل هي ما يعيق سعادتهم وسعادة الاخرين وتقدم البلد، وانه لولا هذا الاسلوب في التربية القائم على العقاب والامر والتخويف وتحطيم الشخصية والارادة لكانوا اكثر سعادة وصحة نفسية وجسدية واجتماعية،


2. اسلوب التدليل:
هنا لا يضع الاهل أي نظام او قيود على الطفل، يفعل ما يشاء، ويعمل الوالدان على توفير كل رغبات الطفل من العاب وخروج وغيرها، ولا يعلمان الطفل "الادب" والاخلاق والالتزام، فهذا الاسلوب هو نقيض الاسلوب الاول، الطفل ينام متى يشاء، ويذهب الى المدرسة متى يشاء، ويصيح ويهين الاخرين كبار وصغار ولا يواجه وانما ينظر الوالدان الى تصرفاته على انها "قوة شخصية" و"لطف اطفال!"، هنا يكون هناك اهمال لتربية الطفل وتترك تربيته للمربيات وهو يتصرف معهم كما يشاء، ويميل الاهل هنا الى استخدام اسماء "الدلع" لمناداة الطفل حتى بعد ان يصل الى مرحلة الرجولة، فهو دائما طفل في نظرهم، ويحاولون حمايته من الحياة وتجاربها الطبيعية، وينشأ هذا الطفل مدللا لا يعرف حدوده، ولا يقبل بأي سلطة عليه، ففي المدرسة يتوقع معاملة مميزة ولا يطيع الاساتذة ويعتقد انه افضل منهم، وفي المجتمع يتوقع اعلى المناصب فور تخرجه من الجامعة، ولا يفهم معنى الانتظار في الطابور او معنى كلمة "لا" لطلباته، وان واجه اي احتمال ان لا تجاب احتياجاته غضب بشدة وهو لا يصدق ما يحدث! فهو يتوقع ان يعامله المجتمع والناس بنفس اسلوب معاملة والديه له، وهنا ايضا تكون ثقة الشخص في نفسه مهزوزة لانه غير قادر على مجابهة الحياة وغير قادر على تحمل الحرمان، وقد يدمن المخدرات ويدخل في مشاكل مع القانون نتيجة غياب الرقابة وتوفر المال لديه والتفاف اصدقاء السوء حوله، فهم "يدللونه" مقابل المال او الحصول على اشياء اخرى منه، وهذا الاسلوب ايضا فيه خلل كبير ومضر بالشخص والمجتمع،

3. اسلوب الرعاية والتوجيه:
هنا يكون هناك توازن بين السيطرة والتدليل، ويكون الاهتمام بالرعاية والتوجيه والاقناع، يعرف الوالدان انهما يتعاملان مع طفل صغير يحتاج الى رعاية وتعليم وتوجيه واشباع، ويعلمون ان الطفل في حاجة الى نظام، النظام يخلق الاحساس بالامان في الطفل حيث يمكنه ان يعرف بوضوح ما هو المتوقع منه، فيعلمونه الحدود وما هو المقبول وما هو غير مقبول، ويكون اسلوبهم يميل الى استخدام الشرح والتعليم والاقناع، فهم يأخذون الوقت الكافي للجلوس مع الطفل وشرح الامر له، ويتجنبون استخدام العنف من ضرب واهانة، ويركزون اكثر على مكافئته ان احسن وعمل التصرف السليم، فمثلا بدل ان ينتظروا الى ان يضرب الطفل اخته يوما لمعاقبته، هم يقومون بملاحظة انه لم يضربها ويكافئونه ويمدحونه مثلا بقول "ما شاء الله، ولدنا رجال يحب اخته ويعتني بها ويحميها وما يضربها"، فبذلك يتعلم ما هو متوقع منه ويسعد بأنه يفعل الصواب، وليس مهم هنا الامر والطاعة قدرما يكون مهم ان يفهم الطفل الاخلاق وتشرح له ويساعد على القيام بها،

فمثلا الاهل من النوع الاول يقولون للولد "نبيك تجيب امتياز هذه السنة زي ولد عمك ولا تسود وجهنا، ويا ويلك لو ما جبت امتياز وطلعت الاول، ليش في الفصل الاول طالع الثالث على الفصل؟ اصل انت ما يثمر فيك شي، وضيعنا فيك مالنا وعمرنا من غير فايدة، وما ينفع معاك غير العصا"،

الاهل من النوع الثاني يقولون "لا تتعب نفسك حبيبي، المذاكرة الكتير تتعب عيونك، احنا ممكن نجبلك المدرس في البيت اذا تحب، اصل كل الاشياء تيجي بالفلوس، ولا تزعل لو ما نجحت هذي السنه، مين محتاج لهذي الشهادات، انت ممكن تجيب الف واحد بشهادة يشتغلوا عندك، على كل احنا مرتبلك رحلة لباريس مع اصحابك، لا تكدر خاطرك حبيبي!"،

والاهل من النوع الثالث يقولون "احنا نبيك تعمل افضل ما عندك في الدراسة، احنا مؤمنين ان عندك قدرات وطاقات ونبي انك تظهرها، لانه هذا فيه سعادتك ومصلحتك، قلنا كيف ممكن نساعدك لتحقيق هذا الشي، واذا ما كنت فاهم ليه لازم الواحد يعمل كل اللي عليه للنجاح قوللي وانا حشرحلك، على كل، انا لما كنت طالب كنت ادرس لمدة اربعين دقيقة واخذ عشرين دقيقة راحة اتفرج فيها على التلفزيون قليلا او العب لعبتي المفضلة، وارجع اذاكر، بس لازم تعرف زي ما اتفقنا ان لكل شي وقت واحنا ما نسمح انك تهدر وقتك في اللي ما منو فايدة، واذا حبيت تجي وتقرأ لي اللي تعلمته انا موجود، انا بحب اتعلم كمان في الموضوع هذا، ممكن انا وانت نروح المقهى القريب ونشرب شاي وتقوللي الشي اللي تعلمته بعد ما تخلص دراسة، العلم جميل والمجتمع متوقع الكثير منكم"،

اعتقد أي انسان لديه عقل يمكن ان يعرف الفروق بين هذه الاساليب وايها اكثر فائدة للطفل والمجتمع عموما، لا يمكن ان نحطم اولادنا وبناتنا نفسيا ثم نتوقع لهم ان يكونوا شبابا وشابات يحملون مسؤوليات المجتمع ويبنونه ويعملون ما فيه الخير له،


د. ماجد عبدالعزيز عشي

الاثنين، 20 يوليو 2009

فروق حضارية في تربية الاطفال

من المواد التي اقوم بتدريسها في الجامعة مادة علم النفس الحضاري، وهو فرع من علم النفس يدرس العلاقة بين النفسية وحضارة الشخص، ومن الجوانب التي درسها علماء هذا المجال الفروق بين الحضارات في تربية الاطفال، واتطرق هنا الى بعض هذه الفروق واهميتها،

في الدول الغربية عموما وفي كثير من الدول الاخرى يقوم الوالدان بتصميم غرفة في المنزل مخصصة للطفل ويجعلونه ينام فيها منذ الولادة تقريبا، ولا يحبون ان ينام معهم الطفل او المولود الجديد في نفس الغرفة حفاظا على خصوصيتهم وراحتهم ومحاولة لتدريب المولود الجديد على "الاستقلالية" وحرصا على ان لا يصاب المولود بأذى ان حصل ونام معهم في نفس السرير و "انقلب" عليه احد الوالدين اثناء النوم دون علم منه، وهذا الوضع من تخصيص غرفة للطفل لا يحدث الا في الدول الغنية او التي يملك سكانها وسعة في المنازل حتى يمكنهم تخصيص غرف للاطفال، فكلنا يعلم، على الاقل من الافلام، انه في بعض الدول وبين الطبقات الفقيرة تطر عائلة كاملة مكونة من اب وام وابناء وبنات وحتى جد وجدة من النوم في غرفة واحدة وربما تتستخدم بعض الستائر القماشية للفصل بين النائمين في حالة الحاجة للخصوصية، وانا لا اتحدث عن اقلية من البشر ولكن الكثير يعيشون كذلك في الهند والصين وافريقيا وامريكا الاتينية وبعض الدول العربية وغيرها من المناطق، فتخصيص غرف للاطفال هو رفاهية يحصل عليها فقط قلة من الناس،

كما ان فكرة عزل الطفل في غرفة لوحده لها سلبياتها، الكبار يجدون صعوبة في النوم وحدهم فما بالك بالصغار الذين هم في حاجة للرعاية والعناية وخيالهم خصب، الطفل في بداية سنوات عمره في حاجة للتعلم كيف يمكنه ان يعتمد على الاخرين ومن خلال ذلك ينمو عنده الاحساس بالانتماء والامان والثقة بان الناس يفهمونه وانه يمكنه طلب احتاجاته من الناس وسوف يحصل عليها، نعم، الطفل لا بد ان يتعلم الاعتماد قبل ان نعلمه الاستقلالية، اذا اشبعت حاجة الطفل للاعتماد عندها ينمو ويستقل، كل شيئ له وقته، وهناك مرحلة لتعلم الاعتماد في اول خمس سنوات ومرحلة لتعلم الاستقلالية عندما يبدأ الذهاب الى الروضة والمدرسة، لا داعي للاستعجال،

تواجد الطفل في غرفة لوحده منذ الولادة يجعله يتعود على ان لا يحصل على ما يريد الا اذا بكى، فالوالدان لا يأتون اليه الا اذا بكى وسمعوا بكائه، ولكن ان تواجد الطفل معهم في الغرفة فان الوالدان يكونان على تواصل معه دون الحاجة للبكاء، عندها يتعلم الطفل انه لا داعي ان يكون في ازمة حتى يحصل على انتباه الناس وعلى احتياجاته، بالطبع تواجد الطفل في الليل في غرفة الوالدين قد يكون مزعجا كما انه يحرم الوالدين من الخصوصية المطلوبة في الحياة الزوجية، فكثير من الازواج يشتكون من اصرار اولادهم على النوم معهم في نفس السرير وكثير من العلاقات الزوجية فسدت وانتهت بالطلاق نتيجة مثل هذه المشكلة على المدى الطويل، فقد يستخدم احد الزوجين ذلك حجة لتجنب المعاشرة الزوجية او للانتقام من الزوج او الزوجة نتيجة غضب ما، فالطفل عنده احتياجات والزوجة والزوج عندهم احتياجات ولا بد من ترتيب الامور بشكل يكفل اشباع احتياجات الجميع،

ومن الفروق الحضارية الطريقة التي يحمل فيها الطفل عندما يكون خارج المنزل، فمثلا في الدول الغربية يوضع الطفل في عربة الاطفال وهو في نفس اتجاه من يدفع العربة ان كان الوالد او الوالدة، بمعنى ان الطفل لا يرى من يدفعه او يتحدث اليه كثيرا، ويكون الهدف هو ان يكون الطفل مربوطا في كرسي العربة حتى لا يجري بعيدا ويعرض نفسه للخطر، وفيه راحة للوالدين وللطفل، ولكن هنا ايضا مشكلة، الطفل قد يجلس في هذه العربة لساعات احيانا وذلك مضرا بصحته ونموه حيث انه يحتاج للعب والحركة والمشي حتى تنمو عظامه وعضلاته، وقد ينام في هذه الكرسي من الاحساس بالملل حيث لا احد يكلمه او يلعب معه او يشرح له ما يحدث، بعض الاهالي يجعلون الطفل يمشي بجانبهم ويمسكون يده، وهذا يتطلب تفاهم بين الاهل والطفل على ان لا يترك يدهم ولا يجري بعيدا ويضيع او يعرض نفسه للخطر، الاطفال يحبون المشي والامساك "باصبع" الاب او الام وهم يمشون، وعادة ما يشعرون بالسعادة في ذلك، ولكن هذه مسؤولية ولا بد للاهل ان يرتبوا ان يكون دائما هناك شخص يراقب الطفل ويراعيه في كل لحظة حتى لا يضيع او يعرض نفسه للخطر،

بعض الاهالي يربطون اطفالهم بحبال او حزام طرفه في ايديهم، وهذا لا ينصح به لانه فيه معاملة شبيهة بمعاملة بعض الحيوانات المنزلية،
وبعض الاهالي يضعون الطفل في كرسي او قماش على هيئة كرسي محمول عل الظهر او على صدر الاب او الام، وهذا يكون مع الاطفال الصغار جدا ومنتشر في اوروبا وافريقيا اكثر من المناطق الاخرى،


وبعض الاهالي يتركون اولادهم مع المربيات وحتى ان خرجوا من المنزل تمشي الام او الاب بعيدا والطفل مع المربية، بالطبع الام تحتاج الى مساعدة في مسؤولية الاولاد ولكن من المهم ان يكون هناك علاقة بين الطفل والام والاب تحتوي على لعب وتمشية معا ومحادثة، من المشاكل التي يعاني منها بعض المجتمعات عدم احترام المرأة والجرائم ضد المرأة، واحد العوامل في ذلك هو ان الولد الصغير ينشأ على يد مربية "تخدمه" ويعلم انها تفعل ذلك في احيان كثيرة لاستلام المرتب اخر الشهر وانها قد تهان وتطرد وتستبدل بغيرها، الطفل لو كانت الام تقوم بتربيته لوجد ان لها سلطة عليه ولها احترامها في الدين والتقاليد ولعلم انها تربيه حبا فيه وليس للمال، الولد لا بد ان ينشأ على احترام المرأة وتقديرها وهذا يحدث عندما يشعر بالاحترام للنساء في حياته منذ الصغر ولا يرى اهانة لهم او اعتداء عليهم، ولكن تركه مع المربيات لا يولد لديه الا مشاعر غير محمودة، هناك بالطبع مربيات يحبون الاطفال ويحسنون اليهم ولكن لا يقارن ذلك بما لو قامت الام بهذا العمل بشكل اساسي وكانت المربية مساعدة في الموضوع، وكما ذكرنا في مقال اخر، فان علاقة الام بالاولاد والبنات تساعد على نقل تعاليم الدين والتقاليد الى الاطفال ومن ثمة تجهيزهم للعيش في المجتمع، وهذا لا يحدث من خلال المربيات الاتي ياتين من حضارات اخرى،

وهناك اهالي يستخدمون الضرب والشتم كأسلوب للتعامل مع الاولاد وهناك اهالي يستخدمون الحوار والاقناع والتعليم، وتحدثنا عن اضرار العنف مع الاولاد في مقال سابق، وهناك فروق حضارية في هذا الامر، فمثلا في امريكا يميل الامريكيون من اصل افريقي الى استخدام العنف مع اولادهم حتى في الاماكن العامة بينما يميل الامريكيون من اصل اوربي الى استخدام الحوار والاقناع، ويقول بعض الامريكيين الافريقيين ان ذلك هو اسلوب حضارتهم، ولكن كل الدلائل والدراسات تقول ان استخدام العنف مع الاولاد والبنات له اضرار كبيرة، هناك تغيرات تحدث في المخ نتيجة العنف المتكرر وينتج عن هذه التغيرات اعراض نفسية في المستقبل، وكل الاديان تدعو للرحمة والرأفة بالصغار،

د. ماجد عبدالعزيز عشي

الأحد، 19 يوليو 2009

التبول الاارادي عند الاطفال

غالبية الاطفال يتوقفون عن التبول الاارادي اثناء النوم عند حوالي ست سنوات، وعادة لا يحتاج الامر الى علاج قبل هذا العمر، ولكن بعض الاطفال قد يحدث عندهم هذا التبول في الفراش اثناء النوم بعد سن السادسة وقد يكون متكررا كأن يكون كل ليلة، ويكون هذا الامر اكثر بين الاطفال الذكور منه عند الاناث،

اولا لا بد ان نعرف ان عقاب الطفل على هذا الامر لا يفيد، بل قد يسبب عنده حالة نفسية نتيجة الخجل والاحساس بالذنب كما قد يسبب له اضطرابات سلوكية اخرى نتيجة القلق والخوف والاحساس بالنقص وعدم فهم ما يحدث وخصوصا اذا كان لدى الطفل اخوة لا يبللون سررهم اثناء النوم او من يستهزء به بسبب هذا الامر، الطفل لا يبلل سريره اثناء النوم عن قصد ولكن هذا الشيئ يحدث دون ارادته، وحدد المختصون عدة اسباب محتملة للتبول الاارادي عند الاطفال، وهي:

1. عوامل وراثية: اذا ما كان الاب او الام ممن عانوا من التبول الاارادي اثناء طفولتهم فقد يكون سبب ذلك جينات وراثية معينة انتقلت الى الطفل، ولا بد ان نعرف ان غالبية الاطفال يتوقفون عن التبول اثناء النوم مهما طال الوقت، كما ان هناك علاجات وادوية تساعد على ذلك،

2. الضغط النفسي: الطفل قد لا يعرف كيف يمكنه ان يعبر عن مشاكله او انفعالاته العاطفية فيصبح التبول الاارادي هو رد فعل لضغوط في حياة الطفل، وهذه الضغوط قد تكون نتيجة خلافات او مشاكل اسرية، حروب او احساس بعدم الامان، التعرض لصدمات نفسية من فقدان احد افراد الاسرة او التعرض لعنف او اعتداءات او حوادث، التغيير المتكرر في مكان السكن او المدرسة او المربيات، المشاكل في المدرسة مع الاساتذة او الزملاء، وما الى ذلك من مشاكل،

3. النمو البطيئ للجهاز العصبي: السبب ان الطفل تحت سن السادسة يجد صعوبة في التحكم في التبول بشكل تام هو ان الجهاز العصبي ما زال ينمو حتى يتحكم في المثانة، ويكون هذا النمو بطيئا عند بعض الاطفال مما يجعلهم يتأخرون شيئا ما في الوصول الى هذا التحكم، والكشف الطبي قد يظهر ان كان ذلك هو السبب،

4. خلل في الهرمونات: في بعض الحالات يكون هناك خلل في الهرمونات التي لها علاقة بافراز البول، فيتكون البول بشكل كبير اثناء النوم، وقد يكون الطفل يعاني من مرض السكرمن النوع الاول، مع العلم ان حالات السكر من النوع الثاني بدأت تظهر بين من هم اصغر سنا نتيجة السمنة، والكشف الطبي يمكن ان يبحث في هذا الاحتمال

5. خلل في صمامات: في بعض الحالات قد يكون هناك خلل في الصمامات التي تتحكم في تدفق البول من المثانة الى المجرى البولي، وايضا يمكن الكشف عنها طبيا،

6. مشاكل في الحبل الشوكي: احيانا يكون هناك خلل في الحبل الشوكي في العمود الفقري مما يجعل من الصعب على الطفل التحكم في التبول اثناء النوم، والكشف الطبي سيحدد اذا كان ذلك هو السبب،

7. صغر المثانة: في حالات تكون المثانة صغيرة مما يؤدي الى امتلائها بسرعة والاضطرار الى التبول اثناء النوم، والكشف الطبي سيحدد ذلك،

8. صعوبة الاستيقاظ اثناء النوم: بعض الاطفال يكون نومهم عميق جدا بشكل يجعل من الصعب عليهم الاستيقاظ نتيجة امتلاء المثانة، فالمثانة عندما تمتلئ ترسل اشارات الى المخ بضرورة التبول ولكن بعض الاطفال لا توقظهم هذه الاشارات من النوم نتيجة عمق النوم،

9. التهابات المجاري البولية: ويمكن الكشف عنها طبيا

وهذه بعض النصائح العملية للوالدين للتعامل مع اولادهم ان كانوا يبللون سررهم اثناء النوم:

1. حاول الحد من المشروبات قبل النوم، فذلك يؤدي الى امتلاء المثانة اثناء النوم،

2. اجعل طفلك يذهب للتبول مرتين خلال الساعة السابقة للنوم، وبذلك يتم تفريغ المثانة،

3. كافئ الطفل على الليالي التي لم يبلل فيها السرير اثناء النوم،

4. درب طفلك اثناء اليوم على عدم التبول مباشرة عند الاحساس بالحاجة للتبول، كأن تطلب منه الانتظار دقائق معدودة زيادة (وليس ساعة او فترات طويلة فذلك مضر بالطفل، ليس الهدف هنا هو تعذيب الطفل او عقابه، نحن نتحدث هنا عن دقائق معدودة لا تزيد عن خمسة دقائق) تدريبه على الانتظار سيساعد المثانة على التمدد ومن ثم تحمل كمية اكبر من البول، كما يساعد الطفل على التعلم على التحكم في الامر اكثر،

5. اطلب من الطفل ان يساعدك في تغيير شراشف السرير اذا ما تبللت اثناء النوم،

6. هناك جهاز يمكن ان يوضع في السرير او في ملابس الطفل الداخلية ويقوم بالدق اذا ما كان هناك بلل حتى يوقظ الطفل للذهاب الى الحمام،

المهم الا تلوم الطفل وتعاقبه على التبول الاارادي، فهذا لن يفيد وقد يزيد الموضوع تعقيدا، ويجب الا تحرج الطفل باخبار الاخرين بالامر او الشكوى منه او الاستهزاء به، بعض الاباء والامهات يعتقدون انهم فشلوا في دورهم اذا ما تبول الطفل اثناء النوم، وهذا غير صحيح، فهذا الامر قد يكون له اسباب كثيرة كما ذكرنا وليس لها علاقة باداء الاب او الام،

واذا كان التبول اثناء النوم مستمرا بعد سن السادسة فعلى الام والاب اخذ الطفل الى الطبيب لاجراء الفحوصات اللازمة لتحديد السبب ان كان عضويا كما ذكرنا اعلاه او لا، ومن ثم تحديد الوسائل للتعامل مع الطفل بالشكل السليم، و لا داعي للقلق، فكما قلنا، اغلب الاطفال يتوقفون عن ذلك، كما ان هناك علاجات دوائية وسلوكية متوفرة

د. ماجد عبدالعزيز عشي

الاثنين، 13 يوليو 2009

نصائح عملية للتعامل مع الاطفال

هذه بعض النصائح العملية للتعامل مع الاطفال بناء على اخر الدراسات النفسية، واقصد بالاطفال هنا ما بين العامين والثمانية اعوام، فكل مرحلة لها اساليبها في التربية،

لا تضرب الطفل او الطفلة، وهذا ينطبق على كل المراحل، الضرب يعلم الطفل ان العنف هو الاسلوب لحل المشاكل ولجعل الناس تفعل ما تريد، فالطفل يشاهد الوالد او الوالدة يستخدمون الضرب وبذلك يتعلم ان يضرب اخوته وزملاءه والعنف عموما، الضرب لا يعلم الطفل ويقنعه بما فعل خطأ، فمثلا ان ضرب الولد اخته وجاء الاب وضرب الولد، ماذا سيتعلم الولد؟ ان الضرب خطأ؟ ولكن الاب يضرب؟ وهل سيتعلم ان يستخدم اسلوب الحوار المهذب مع اخته نتيجة الضرب هذا؟ كما ان الضرب اهانة، وتؤدي الى ضعف في ثقة الطفل في نفسه، وقد يصاب بحالات نفسية نتيجة هذا العنف، والضرب قد يؤدي ايضا الى اصابات جسدية وربما الى الوفاة حتى عن دون قصد، فالطفل جسمه ضعيف وقد يعتقد الكبير ان ضربة هي خفيفة ولكنها تكون مؤذية للطفل، والضرب يجعل الطفل يخاف ويغضب وربما كره الاب او الام نتيجة هذا الضرب، واحيانا يعبر الطفل عن كرهه للوالدين اذا ما كبرا وشد عوده، عندها يتذكر كل العنف الذي عانى منه ويرده الى الوالين اما بالعنف او المقاطعة او العقوق، فجراح الطفولة تبقى،

هناك حالات لا بد فيها من استخدام العقاب لتوضيح ان للتصرفات عواقب وان هناك نظام لا بد للجميع الالتزام به، ولكن ليس بالضرب، يمكن حرمان الطفل من اشياء معينة لوقت معين، مثل حرمانه من مشاهدة التلفزيون ليوم او من لعب الكرة ليوم، ولا بد ان تكون العقوبة مناسبة للعمل، ولابد ان يشرح الوالدان للطفل ما هو الخطأ الذي ارتكبه وكيف كان ذلك مؤذيا وماذا كان عليه فعله بدل ارتكاب الخطأ، فمثلا ان دخل الطفل الى المطبخ وحاول اكل شيئ من الثلاجة وانكسر شيئ مع ان الام اخبرته بعدم فعل ذلك، اولا لا بد ان تجلس الام في مستوى الطفل ولا تحدثه من اعلى، بمعنى ان تجلس على كرسي او على الارض وتحدثه، فذلك يجعله يشعر ان الام او الاب في نفس مستواه، كما ان على الام او الاب ان ينظروا الى عيون الطفل من دون تخويف ويطلبون من الطفل ان ينظر الي عيونهم اثناء الحديث، فالاطفال من السهل ان يتشتت ذهنهم والهدف هو ان تتأكد ان الطفل منتبه لما تقول، وابدأ بان تسأل الطفل "لماذا فعلت ذلك؟"، فاحيانا يكون للطفل اسباب وجيهة، فقد يكون الطفل جائعا ولم يجد احد يطعمه فذهب الى المطبخ بحثا عن طعام، لا تعتقد دائما ان هناك نية سيئة او سوء خلق، فهذا طفل، وبعد الاستماع الى شرح الطفل يمكن للام ام تساله لماذا لم يفعل ما يتمشى مع ما قالته الام سابقا، فمثلا،
الطفل يقول: لقد كنت جائعا؟
الام: لماذا لم تأتي الي وتطلب منى ان احضر لك الاكل؟

اجابة الطفل قد تظهر امور مهمة، انظروا مثلا لهذه الاجابات المحتملة وكيف سيكون رأيكم في وضع هذا الطفل:
الاجابة الاولى: لم اكن اعرف ياماما انه علي فعل ذلك
الاجابة الثانية: لقد كنت نائمة ولم ارد ازعاجك
الاجابة الثالثة: لقد كنت اريد ان اكون مثل اختي الكبيرة واحضر اكلي بنفسي

هل كان الاب او الام سيفهمون اي شيئ عن تفكير الطفل بالضرب؟ من السهل ان تأتي في حالة غضب وتضرب الطفل ولكن تكون قد فقدت فرصة مهمة للتعرف على الطفل وفكره واحتياجاته وفرصة لتعليمه التعبير عن النفس والحوار،
عندما يخطئ الطفل فان تلك فرصة لا تعوض لتتعرف عليه وتكون اقرب اليه ولتعليمه ولتحسين علاقتكم، ولكن مع الاسف الكثيرون يضيعون هذه الفرصة ويستخدمون العنف والاهانة ولا ينتج عن ذلك الا الخوف والغضب والعنف والكره، نعم قد يطيع الطفل الاوامر نتيجة الخوف من العنف والاهانة، ولكن هل تريد ان يكون طفلك مهزوزا خائفا عنيفا غاضبا كارها لك ام تريده ان يكون انسانا واثقا من نفسه يحترمها ويعلم ويفهم باقتناع ما عليه عمله؟

لابد ان تكون الانظمة في المنزل واضحة ويتفق عليها الوالدان، فمن اسوأ الامور ان يكون للاب نظام مثلا وعندما يخرج من البيت يكون للام نظام اخر، فهذا يخلق فوضى عند الطفل واعتقاد بان الانظمة تختلف حسب الشخص وتجعله يتعلم النفاق والكذب والازدواجية، الاب والام لابد ان يضعوا الانظمة معا واحيانا بمشاركة الطفل، مثلا يمكنهم ان يسالوا الاطفال: لو حدث ان ضرب احدكم الاخر، ما هي العقوبة التي ترونها مناسبة لذلك؟ وقد يتفق الجميع على ان العقوبة ستكون الحرمان من مشاهدة التلفزيون ليوم مثلا، بذلك يشعر الطفل انه يشارك وليس فقط متهم، وبعد وضع النظام لابد للجميع الالتزام به، فالضرب ممنوع في البيت، على الجميع، وليس فقط للاطفال وبعد ذلك يشاهدون الاب يضرب والام تضرب وما الى ذلك، من المهم جدا لصحة الاطفال النفسية ان يكون هناك نظام يومي محدد ومكرر ونظام واضح ومتبع حتى يشعرون بالامان، القلق ينتج عند الطفل عندما لا يكون هناك استقرار اسري ونظام وجدول يومي محدد،

الاستقرار الاسري مهم سواء كان الوالدان في نفس البيت او لم يكونا كذلك نتيجة طلاق او وفاة احدهما او تكرر سفر الوالد، يمكن ان يكون هناك استقرار اسري في كل الاحوال، والاختلافات الاسرية يجب الا تنعكس على اسلوب التعامل مع الاطفال او في الاستقرار المطلوب لهم، فخلافات الوالدان لابد ان تكون بينهما ولا يدخلا الاطفال فيها، بعض الناس يستخدمون اولادهم في معاركهم، ويحاولون ان يزرعوا كره الطرف الاخر في الطفل كما يحاولون ان يجعلوا الطفل في صفهم ويعبر من خلال القول والعمل عن عواطفهم نحو الطرف الاخر، هذا منتهى عدم النضج وفيه اكبر ضرر للطفل، الطفل يحتاج للوالد والوالدة ومحاولة اي طرف ابعاده عن الاخر فيه اذى كبير، لابد من عدم استخدام الطفل لاثبات ان طرف افضل من الاخر، بالطبع هناك حالات شاذة يكون فيها احد الوالدين خطرا على الطفل ولكن نتحدث هنا عن عامة الحالات،

ويجب الا يكون هناك تفريق بين الاطفال في المعاملة، فهذا يخلق حقد وحسد وغيرة بينهم قد تدوم طول العمر، ويجب الا يفضح الوالدان اولادهم في الاماكن العامة او امام الاهل او امام الاطفال الاخرين، فبعض الناس يشتكون اطفالهم الى اهاليهم او اصدقائهم او يقولون للطفل كن مثل فلان امام الاطفال الاخرين او يضربوهم ويهينونهم امام الناس، في البداية على الام او الاب تذكير الطفل بالقواعد السلوكية قبل الخروج من البيت، واذا اخطأ الطفل فعليهم اخذه جانبا وتذكيره بالقواعد وتعريفه انه اخطأ، والحديث معه في البيت، من علامات الفوضى الاسرية ان نجد الاباء او الامهات في حفلات اسرية او اماكن عامة وطوال الوقت وهم في عراك مع اطفالهم "ياولد اقعد عاقل، يابنت اجلسي!!" وبذلك لا يستمتع الاهل بالخروج ولا الاطفال ولا باقي الحاضرين، المشكلة هنا هي في اسلوب التربية، الطفل يستغل وجود الناس الاخرين لفعل ما يشاء، كأنها حرية، فلابد ان يفهم الوالدان الاطفال ان الامر هو امر تعاون بين اعضاء الاسرة حتى يستمتع الجميع بالخروج،

مع الاسف هناك اهالي يبحثون دائما عن اشباع احتياجاتهم، وهؤلاء هم غير مستعدين لانجاب وتربية الاطفال، فالاب يريد الهدوء دائما ويريد ان ينام ويريد ان يخرج مع اصحابه ويريد ان يمضى وقت مع زوجته ويريد ويريد، والزوجة تريد ان تتحدث في الهاتف وتريد ان تنام وتريد ان لا يطلب منها الاطفال شيئا وتريد وتريد، والاطفال بطبيعة كونهم اطفال يريدون الرعاية والاهتمام والمساعدة والحماية واللعب واشباع احتياجاتهم المختلفة، لابد ان يتعاون الجميع من اجل اشباع احتياجاتهم المختلفة، وهذا هو دور الاسرة، اشباع احتياجات اعضائها، وليس فقط اشباع احتياجات عضو واحد!!

والاطفال يحتاجون الى وجود الكبار معهم ونصحهم وتوجيههم، يخطئ بعض الاهالي باعتقاد ان كل ما يريده الطفل هو المال والالعاب ويتركونهم طوال الوقت مع "الشغالات والمربيات"، اغلب هؤلاء العاملات ياتون من دول لها حضارة مختلفة، ودور الام والاب هو نقل حضارة المجتمع ودينه الى الاطفال لتجهيزهم لان يكونوا اعضاء فاعلين في المجتمع، ولكن ترك الاطفال هكذا مع المربيات لا يجعل الاطفال يتعلمون قيم المجتمع الذي يعيشون فيه، وينشأ جيل منقطع عن مجتمعه ولا يملك قيم مجتمعه بل في حالات لا يملك اي قيم، فالمربية اهتمت بالاكل والشرب والاستحمام، والمدرسة اهتمت بتدريس المواد، والطفل ترك للاعلام والانترنت والاصحاب لتعلم القيم، وهذا يفسر الى حد ما انتشار مظاهر اجتماعية لم تكن موجودة من قبل، ناتجة عن عدم نقل القيم الاسرية والاجتماعية للاطفال،

ما نزرع سنحصد، وان وضعنا الحب والاحترام والاهتمام والرعاية في اولادنا فاننا سنحصد كل الخير في المستقبل باذن الله

د. ماجد عبدالعزيز عشي

الثلاثاء، 30 يونيو 2009

انواع النجاح

هناك انواع من النجاح، وكل انسان يسعى لنوع او اكثر من النجاح، وهناك فروق بين الرجل والمرأة في النظرة الى النجاح كما ان هناك فروق حضارية، الناس تميل عموما لتعريف النجاح على انه النجاح في العمل، وما يتبعه من نجاح مادي ومكانة اجتماعية، وهذا صحيح، فهذا النجاح مهم، ويتبع هذا النجاح فائدة وتطور للمجتمعات، فكثير من الناس يسعون للنجاح العملي الشخصي ولكنهم في طريقهم لتحقيق ذلك يقومون بما يفيد الناس وينفع المجتمع عن قصد منهم او لا، ولكن هذا نوع واحد فقط من انواع النجاح، وسوف اتطرق هنا الى انواع اخرى من النجاح التي يسعى اليها انواع مختلفة من الناس،

فهناك مثلا النجاح الديني والروحي، وهنا الشخص يسعى الى ارضاء الله وعمل الصالحات سعيا لدخول الجنة وتجنب النار، كما يسعى الى تزكية النفس وترويضها على الخير والالتزام والطاعات والعبادات، فهنا تعريف النجاح يختلف عند هذا الشخص عن تعريفه عند الشخص من النوع الاول، وليس هناك تعارضا بالضرورة بين هذا النجاح والانواع الاخرى، ولكن المهم معرفة ما هو هدف هذا الانسان، هل النجاح عنده يقاس بالمادة والمكانة الاجتماعية مثلا ام بالالتزام بما امر الله؟ من الناحية النفسية يمكننا فهم تصرفات الانسان اذا عرفنا ما هو النجاح في نظره،

وهناك اناس، خصوصا الكثيرات من النساء، من يعرفون النجاح على انه النجاح الاسري، بمعنى ان يكون عندهم علاقة محبة مع شريك حياة واسرة مستقرة وناجحة واولاد سعداء وعلاقات اجتماعية واسرية سعيدة عموما، فعندهم هذا هو النجاح، فتحضير وجبة طعام شهية للاسرة، او ادخال السعادة على قلب الزوجة او الزوج والاولاد، او القيام بالواجبات الاجتماعية من زيارات وحضور مناسبات، كلها هذه من اسس النجاح عند كثير من النساء وبعض الرجال، فلا بد ان نعرف ان هناك فرق في تعريف النجاح عند الجنسين، فالرجل يركز عموما على الجانب العملي والمرأة تركز اكثر على الجانب الاسري، وبالطبع هناك رجال كثيرون يعملون على النجاح في حياتهم الاسرية ونساء يعملن على النجاح في العمل ولكن يغلب الاهتمام الذي ذكرناه سابقا على الجنسين، الرجال عموما يعرفون النجاح على انه النجاح "كثيرا" في جانب واحد في الحياة، وقد يهملون جوانب اخرى، فمثلا قد يركز الرجل على عمله وينجح فيه كثيرا فيكون قمة فيه، ولكنه يكون قد اهمل زوجته واولاده وحتى صحته وعلاقاته الاسرية، المرأة ترى النجاح عموما من منظور تحقيق التوازن وتحقيق النجاح "المتوسط" في اكثر من جانب، فمثلا هي قد تعمل وتتقدم في عملها ولكنها تهتم ايضا في ان تكون عندها اسرة ناجحة وعلاقات اجتماعية، فالمرأة عندها النجاح هو تحقيق النجاح في اكثر من جانب وتحقيق التوازن بين الامور، اما الرجل فالنجاح عنده هو تحقيق التميز في مجال واحد ولو على حساب الجوانب الاخرى، بالطبع ليس كل الرجال عندهم نفس الدافع للنجاح ولا كل النساء،

وهناك اناس يكون عندهم النجاح هو في الحصول على محبة الناس واعجابهم، سواء كان هذا الاعجاب بالشكل او بالشخصية او بالاعمال، وهناك من يعرفون النجاح بتحصيل القدرات الجسدية من رياضة او غيره، وهناك من يرون النجاح في القدرات الفكرية او الفنية او الذكاء، وهكذا، فالانسان عنده قدرات مختلفة والناس تسعى عموما للتميز في قدرات ما، فالنجاح انواع، ولو لم يختلف مفهوم الناس للنجاح لفسدت الحياة، فليس معقولا ان يعمل كل البشر للنجاح في مجال واحد،

الناس عادة يخافون من الفشل، وكثير من الاعراض النفسية والامراض النفسية تنتج عن الخوف من الفشل او ردة الفعل للفشل، والفشل هنا قد يكون فشل في الحياة العملية او المادية او الاجتماعية او العاطفية او غيرها من الجوانب، قليل من الناس يعرفون كبف يتعاملون من الفشل، الفشل جزء من الحياة، والناجحون ليسوا هم من لم يفشلوا ولكنهم هم من استمروا ونجحوا بعد العديد من حالات الفشل، الفشل قد يعني ان الاسلوب يحتاج لتغيير او ان الوقت لم يحن لتحقيق ما تريد، في مجال الابحاث العلمية الفشل نجاح، ماذا يعني ذلك؟ يعني ان الفشل يعلمك ان الاجابة ليست في الطريق الذي مشيت فيه، وهذه اجابة، وسوف توفر هذه النتيجة الوقت والمجهود للعلماء الاخرين حتى يبحثوا في طرق اخرى للحصول على الاجابة، الفشل يبعث الانسان للتطور ومراجعة النفس حتى يعلم اين كان الخطأ وما هو الذي عليه تغييره في تصرفاته او حياته حتى يحقق هدفه، قد يتعلم الانسان كثيرا من تجارب الفشل اكثر من تجارب النجاح،

وكم من علاقات تكونت نتيجة فشل، وكم من اصدقاء ظهروا في وقت الفشل والاحتياج، سئل احد الحكماء "كم صديقا لديك؟"، فقال "لا اعلم، انتظر حتى امر بوقت الضيق وسأعلم عندها"، هناك اصدقاء يأتون فقط مع النجاح ويذهبون مع ذهابه، وهناك اصدقاء يأتون فقط مع الفشل ويذهبون ان نجحت، وهناك اناس يبقون معك سواء نجحت ام فشلت، ويدعمونك في الحالتين،

ليس هناك اعمال صغيرة واعمال كبيرة، ما يحدد حجم العمل هو كمية الحب الذي تضعه فيه، فكلمة واحدة بحب قد تحدث تغييرا لا تحدثه اعمال على مر السنين، النية الطيبة تجعل الكلمة او العمل اقوى بالاف المرات، كأنه عمل حي، اما العمل بنية سيئة فكأنه عمل ميت، لم اندم قط على كلمة قلتها من قلبي،

قالت الكاتبة الشهيرة هيلين كيللر والتي كانت تعاني من فقدان السمع والبصر، وكانت اول من حصل على البكلوريوس من فاقدي السمع والبصر في بداية القرن العشرين:

"انا ابحث عن عمل اشياء عظيمة، ولكن واجبي الاساسي ان اعمل اشياء بسيطة وكأنها اشياء عظيمة، العالم لا يتحرك فقط نتيجة اعمال العظماء، ولكن من مجموع الاعمال الصغيرة لكل عامل مخلص"،

وقال الرسام الشهير بيكاسو "امي اخبرتني انني اذا اصبحت جنديا فسوف اصبح يوما جنرالا، واذا اصبحت قسيسا فسوف اصبح يوما البابا، ولكني قررت ان اكون رساما فاصبحت بيكاسو!"،

لا تضحي بنفسك من اجل النجاح، فهذه خسارة، النجاح هو ان تجد نفسك وتكون "انت" بمعنى الكلمة، المجتمع سيتطور وينتفع كثيرا لو ان كل انسان كان نفسه المميزة واستخدم قدراته ومواهبه التي انعم بها الله عليه، استمع الى قلبك، فكل منا له رسالة في الحياة، والخريطة والرسالة موجودة في قلبك،


د. ماجد عبدالعزيز عشي