الاثنين، 29 ديسمبر 2008

الاعتذار


قبل بضع سنوات حضرت مؤتمرا في جامعة ماساسيوستش في مدينة بوسطن وكان المؤتمر كله مخصصا لموضوع الاعتذار، وشارك في المؤتمر علماء نفس واطباء ومحامون وسياسيون وعلماء تاريخ وبعض اهالي ضحايا الجريمة، وسوف اذكر هنا بعض الامور عن الاعتذار،

أولا: من منا لا يخطئ؟ كلنا نخطئ أحيانا وذلك طبيعي لاننا بشر، فالبشر محدود العلم، العلم بالماضي او الحاضر او المستقبل، العلم بنفسه او الاخرين، والانسان تحركه أحيانا امور تؤدي به الى الخطأ، فلابد أن نعرف اننا كلنا وبلا استثناء نخطئ احيانا، والشخص الذي يعتقد انه لم ولا ولن يخطئ اما انه مريض نفسيا او جاهل مغرور او لا يعرف معنى الخطأ، فمع الاسف كثيرون يعتقدون أنهم لم يخطؤا بحق أحد لانهم يرون سلوكهم فقط كردة فعل لتصرف الاخرين، فمثلا الزوج الذي يضرب زوجته قد لا يرى خطأه لأنه يعتقد أنها دفعته لذلك "بطول لسانها"، والزوجة التي تخون زوجها قد لا ترى خطأها لانها ترى أن زوجها دفعها لذلك باهماله لها وسوء معاملته، بمعنى أن كثير من الناس تجد مبررات لاعمالها ولذلك لا ترى خطأ ما تفعل ولا ترى مبررا للاعتذار، وينطبق ذلك أيضا على المؤسسات والدول، فكل انسان يبرر "شره بشر غيره"، بمعنى أن الانسان يفعل الشر ويبرره بشر غيره، وهنا يدور الطرفان في حلقة مفرغة، شر يقابله شر وتتطور الامور، ولكن كيف يمكن ان نكسر هذه الحلقة؟ الحل هو الاعتذار والصفح، وسوف اكتب عن الصفح لاحقا،



ثانيا: في كثير من الحالات كل ما يريده الشخص الذي اخطئ في حقه هو ان يقدم المخطئ اعتذارا صادقا عن الخطأ، فكثير من المشاكل يمكن انهائها او حلها بتقديم اعتذار صادق، وينطبق ذلك على علاقات الاشخاص والمؤسسات والدول، ولكن بالطبع عناك عقبات أمام تقديم الاعتذار الصادق، فأحيانا يخاف الشخص من الملاحقة القانونية ان اعترف بجريمة مثلا، فمثلا قد تكون هناك عواقب ان اعترف الموظف بتقاضيه رشوة او اعترف الزوج بخيانته، فالاعتذار يتضمن الاعتراف بالخطأ، واحيانا تعوق الكرامة تقديم الاعتذار، فالاعتذار قد يضع المعتذر في موقف ضعف، وخصوصا ان كان الاعتذار امام الناس او لشخص يعتبر خصما،

ثالثا: الاعتذار مهم وله معاني كثيرة، الاعتذار هو اولا اعتراف بالم الشخص الاخر، فعندما تقول "أنا اسف اني جرحت مشاعرك" فانت تقول انك ترى جرح الشخص الاخر، لا شيئ يؤلم اكثر من ان تكون مجروحا ويتصرف الذي جرحك وكأنه لم يفعل شيئ "ويعمل نفسه مو فاهم"، فالاعتذار هو اعتراف بانك ترى الم الشخص الاخر وان المه ليس وهما وانما حقيقة،

وعندما تقول "انا اسف" فانت ايضا تتحمل المسؤولية، مسؤولية عملك ومسؤولية الجرح الذي تسببت فيه، فانت تقول للشخص المجروح: "انا ارى المك، وسببه هو تصرفي، فالمك له سبب، وانا سببه، تصرفي سبب لك الالم، ومعك حق، فانا من جرحك"، الناس تلعب الاعيب احيانا للهروب من تحمل مسؤولية اخطائها، ومنها التبرير ومحاولة "التعامي" عن الم الاخرين، وفي الحقيقة هم يرون ويفهمون كل شيئ، ولكنهم في اغلب الاحيان يتهربون من مواجهة اخطائهم،

وعندما تقول "انا اسف اني جرحتك، او ظلمتك، او كذبت عليك...." فانت ايضا تعترف بان هناك مظلة اخلاقية مشتركة يخضع لها الناس، فانت تقول باعتذارك انك تعترف بان سلوكك خالف مبادئ اخلاقية مشتركة وانك ترغب في العودة تحت "المظلة الاخلاقية"، وهذا مهم حتى يعرف الشخص الاخر انك فهمت خطئك، وانك ستغير سلوكك ليتماشى مع الاخلاق المشتركة، وهذا ايضا مهم لبناء الثقة، فمع الاسف الكثير من الناس لا يعرفون معنى الثقة واهميته في حياة الناس والمجتمعات، فتصرفاتهم تهدم ثقة الناس بهم وبالاخرين، وان نظرت الى أي سلوك خاطئ ستجد انه يهدم الثقة، فمثلا التاجر الغشاش والموظف المرتشي والزوج الخائن كلهم يهدمون ثقة الاخرين بتصرفاتهم، طبعا هم يبذلون كل الجهد حتى لا "ينكشفوا"، ولكن سواء انكشفوا او لا فان سلوكهم خيانة للثقة، وان فقد الناس الثقة بعضهم في بعض شعروا بعدم الامان، وانتشر الخوف والقلق وحتى الغضب، فالناس تصبح لا تعرف ماذا يمكنها ان تتوقع من الاخرين، ويختفي الصدق من المجتمع، ويلبس الناس اقنعة لاخفاء حقيقتهم، الثقة شيئ غالي جدا، ولابد ان يقدره الانسان، وكما قلت سابقا كلنا بشر ونخطئ ولكن لا بد من الاسراع في الاعتذار والعودة عن الخطأ ومعالجة اثاره، فالاعتذار هو عودة الى المظلة الاخلاقية المشتركة في المجتمع،

وعندما تقول "انا اسف" فانك بذلك ترد للشخص الاخر القدرة في التحكم في الامور، فانت عندما اخطأت فانك اخذت من الشخص الاخر مالا تستحق، وهذا هو اساس كل الاخطاء تقريبا، الاخذ، او بمعنى اخر السرقة، فكل الاخطاء هي في حقيقتها سرقة باشكال مختلفة، فمثلا الشخص الذي يأتي امامك بسيارته و "يقطع عليك الطريق" هو لص، سرق منك حقك في الطريق الذي انت فيه، ، فالسرقة هي تقريبا في كل الاخطاء، فانت عندما تعتذر فانك ترد ما اخذت، ولكن ما الذي سرقت عندما اخطأت؟ طبعا قد تكون اخذت مالا او شيئ اخر، ولكنك باعتذارك ترد شيئ اخر سرقته، ترد للشخص الاخر كرامته، ترد له الحقيقة، ترد له احساسه بالثقة ويالامان، ترد له احساسه "بأن الدنيا لسه بخير"، ترد له احساسه بالعدل، وحتى ترد له ايمانه بالله الذي قد تكون اثرت فيه بسلوكك، طبعا يعتمد الموضوع على حجم الخطأ الذي ارتكبته،

من الامور المهمة ان نعرف ان للانسان كرامة يجب الا تهدر، فللطفل كرامة يجب الا تهدر بالضرب والاهانة، وللزوجة كرامة يجب الا تهدر، وللزوج كرامة يجب الا تهدر، وللوالدين كرامة يجب الا تهدر، وللاخ والاخت كرامة يجب الا تهدر، وللمراجع كرامة يجب الا تهدر، وللمريض كرامة يجب الا تهدر، ولكل الناس كرامة يجب الا تهدر، الكرامة لا تأتي فقط من الانتصارات العسكرية، ولكن تأتي من المعاملات اليومية في البيت والعمل والشارع، والانسان الذي يعرف معنى الكرامة يتصرف بطريقة تحترم كرامة الاخرين، ولكن مع الاسف هناك اناس لا يعرفون معنى الكرامة،

والاعتذار يرد الحقيقة للمجروح، ففي كثير من الاحيان كل ما يريده الانسان هو الحقيقة، لماذا فعلت ذلك؟ هل انت تحبني ام لا؟ ماذا كنت تفكر عندما فعلت ما فعلت؟ هل هناك من "سلطك"؟ في جنوب أفريقيا وبعد الحرب الاهلية بين البيض والسود، قام بعض المصلحين بتنظيم اسلوب جديد للتسامح، وفيه يأتي الشخص الذي قتل او اعتدى ويعترف بكامل الحقيقة امام الضحية او اهله ويجيب عن كل اسئلتهم ويستمع بالكامل الى المهم ونتائج عمله، وفي مقابل ذلك يصفح عنه، فلابد ان يكون الاعتذار مصحوبا بقول الحقيقة والاجابة على كل اسئلة المعتذر له،

كثير من الناس مؤمنة بالله، وعندها ثقة بالله وانها تحت رعايته وعندها امل في الله وعدله ورحمته وعونه، وانت عندما تكذب وتغش وتسرق وتعتدي وتخادع فانك "تختبر" العدل الانساني والعدل الرباني، وتهز ثقة الناس في هذا العدل، وفي رأيي الشخصي ان هناك اخطاء كبيرة جدا وقد لا يراها الكثيرون كذلك، فمثلا الموظف المماطل في المعاملات خطره على أمن الدولة مثل خطر الارهابي، بل هو معين للارهاب، فهو ينشر الغضب بين الناس والاحباط والخوف وعدم الثقة في اجهزة الدولة على الرغم من المجهودات الكبيرة التي تبذلها لخدمة مواطنيها، وقد يرمي بسلوكه هذا ببعض الناس في احضان الاجرام والارهاب، ففي رأيي ان هذا الموظف المماطل او المرتشي هو عدو للدولة سواء كان ذلك بعلمه او لا، تخيلوا لو كان المواطنين يذهبون الى الدوائر الحكومية ويجدون معاملاتهم تتم بيسر ونظام واحترام فماذا سيكون رأيهم ومشاعرهم نحو حكوماتهم؟ الن يحبوها ويحترموها ويدينون بالولاء لها؟ اذن هذا الموظف المرتشي والمماطل هو عدو للدولة، ويسعى بقصد او عدم قصد الى اشاعة عدم الاستقرار في البلاد ولا بد من مكافحة امثال هؤلاء كما يكافح الارهاب، فمن مسؤولية الدولة ارساء العدل والقانون والنظام حتى يشيع الاستقرار والامن، وان "فلت" من العدل الانساني فانك مع مواجهة مع العدل الرباني، طبعا قد لا تكون مؤمنا بالعدل الرباني وهذا ما جعلك تسير في طريق الظلم والخطأ، ولكن ان نظرت في الكون فانك ستجد هناك انظمة لتصحيح الخطأ، فمثلا هناك نظام في الخلية لتصحيح الطفرات الجينية، وهناك انظمة لتصحيح مسارات الكواكب من خلال الجاذبية، فاعلم بانه سيتم تصحيح الخطأ بشكل او باخر،

رابعا: هناك اناس تعتذر بطريقة خاطئة، فاعتذارها قد يزيد من المشاكل بدل من ان يخفف منها، وهنا بعض الامثلة على الاتذارات الخاطئة وشرحها وشرح البديل:



"أنا اسف ان كنت اخطأت في حقك"
الاعتذار لا بد ان يكون "أنا اسف اني اخطأت في حقك" وليس "اذا كنت"، ليس هناك "اذا"، انت اخطأت ولا بد ان تعرف ذلك،



"أنا اسف انك زعلت"
هذا الاعتذار كأنه يقول للشخص الاخر "انت حساس زيادة عن اللزوم، وانا غير اسف لخطئي ولكن لاثارة حساسيتك"،

"انا اسف، الان اعتذر انت ايضا"
الاعتذار لا بد ان يكون من دون توقع مقابل، سواء اعتذار مقابل او مسامحة، الاعتذار هو اعتراف بالخطأ وطلب العفو، ومن ثم ترك الامور للطرف الاخر لتحديد رد فعله، الاعتذار ليس اسلوبا للتحكم في الاخر، ولكنه سلوك حضاري يدل على المحبة والحرص على استمرار العلاقة بما يرضي الطرفين

د. ماجد عشي
اللوحة: كبرياء
للفنانة التشكيلية السعودية رنا اسكندر

الأحد، 21 ديسمبر 2008

الكذب

لماذا يكذب الناس؟

لا بد أن نعرف أولا أن الكذب والخداع هي اشياء طبيعية، بمعنى انها موجودة في الطبيعة، فكثير من الحيوانات تخادع حتى تحصل على طعامها، فالحيوان المفترس يختبئ وراء الاشجار يتربص بفريسته وفجأة يهاجمها، والثعلب يدعي الموت، وكثير من الكائنات لها الوان تساعدها على الاختباء في البيئة المحيطة بها، فالجمل الاصفر لا يظهر عن بعد في الصحراء، والدب الابيض يختبئ في بيئة الثلج وهكذا، ولكن لماذا يكذب الانسان؟

هناك اسباب عديدة للكذب، ولكن لابد أن نعرف أن العديد من الاضطرابات النفسية تكون مصحوبة بالكذب وخصوصا اضطرابات الشخصية، فبعض الناس يكذبون كثيرا، واحيانا دون وجود ما يبرر هذا الكذب، وسوف اذكر هنا بعض اسباب الكذب،


1. الشخصية النرجسية:هذه الشخصية تحب المديح ومعجبة بنفسها وتحب الظهور وانتباه الناس، وتحب أن تظهر بأنها احسن من غيرها، فهي تكذب حتى تكون أجمل، فهي تبالغ في انجازاتها وتدعي امورا فقط للحصول على اعجاب الناس، فهي تحب أن تحمد بما لم تفعل، فالنجرسي كاذب وكذبه هو ما يغذي نرجسيته،


2. الشخصية المضادة للمجتمع:هذه الشخصية ليس لديها أخلاق، ولا يحركها غير مصالحها، فهي تكذب من أجل الحصول على ربح مادي او اهداف مصلحية أخرى، فهي الشخصية التي تخالف القانون وتبيع الاوهام للناس وتستغل ثقتهم، وهي كالحيوانات تتلون حسب البيئة التي حولها حتى تختبئ وتمارس اكاذيبها دون أن ينتبه الاخرون او هكذا تظن، فان كانت في بيئة متدينة ادعت التدين، وان كانت في بيئة "متحررة" ادعت التحرر، وهدفها هو فقط الحصول على ثقة الناس حتى يمكنها استغلالهم، فمن اسس النصب والاحتيال أن تحصل على ثقة الضحية أولا ومن ثم تنصب عليهم، فالكذب والخداع بالنسبة لهذه الشخصية هو من ادوات العمل، فالنجار يستخدم المنشار، وهذا الشخص يستخدم الكذب والخداع، وهؤلاء ليسوا فقط من المجرمين واللصوص بصورتهم المعتاد عليها في المجتمع، ولكن يكونون ايضا من الموظفين والمدراء واصحاب الاموال أحيانا، وهذا ما يسمى المجرمين اصحاب الياقات البيضاء،

3. الشخصية البوردرلاين:هذه الشخصية أكثر ما تخاف هو أن يهجرها من تحب، فان كانت متيقنة أن من تحب باق معها فأنها تراه افضل انسان في العالم، ولكن ان شعرت ولو للحظة أن هذا الشخص قد يتركها فأنها تنقلب للنقيض وترى هذا الانسان أسوأ شخص في العالم، وتفعل وتقول أشياء لجرح مشاعره وايذائه، وهدفها هو معاقبته على محاولة الترك او حتى على التفكير فيها، وفي أحيان كثيرة تكون هي متوهمة هذا الترك او الهجر، فمثلا قد تطلب أمرأة من زوجها أن لا يذهب للعمل والبقاء معها في البيت، ولكنه قد يعتذر نتيجة وجود مواعيد مسبقة، عندها قد تغضب وتبدأ في ايذائه، وبعد حين تهدأ وتندم على ما قالت او فعلت، فهذه الشخصية تكذب في مشاعرها، فهي قد تدعي أنها لا تحب انسان مع انها تحبه، وتدعي انها تحب اخر لجرح من تحب حقا، وتدعي أشياء كثيرة هدفها التحكم في الشخص الذي تحب والتحكم في تفكيره عنها، فمهم جدا عندها أن تتحكم في الصورة التي لدى الناس عنها، وهي تشترك في ذلك مع الشخصيات السابقة، فهي تكذب كثيرا في مشاعرها وتحاول تخفي مدى حبها لانسان ما وذلك خوفا أن تحب وثم يهجرها، فهذه الشخصية تكذب للتحكم في الناس الذين تحبهم وتخاف أن يتركوها، ومع الاسف قد تتصرف هذه الشخصية بشكل هوجائي ومدفوعة بمشاعر لحظية، فتأخذ قرارات قد تندم عليها لاحقا، وتكون هذه القرارات مدفوعة بمحاولاتها تجنب الاحساس بمشاعرها الحقيقية من خوف وقلق واكتئاب وغضب، فالكذب هنا هو اسلوبها للتعامل مع مشاعرها، فهي تكذب حتى لا تشعر، وتكذب حتى تظهر الشخص الاخر على أنه احسن الناس امام الاخرين وقت الرضى، واسوأهم وقت الغضب،






4. الشخصية القهرية:هذه الشخصية لا تكذب من أجل التحكم في الناس ولكنها تكذب من أجل التحكم في نفسها وحياتها، الاستقلالية مهمة عند هذه الشخصية، فهي تكذب للحفاظ على هذه الاستقلالية، يعني كأن كذبها يقول: "هذا مو شغلك، ايش دخلك، مو مهم تعرف، ومو لازم اقولك الحقيقة"، فهي مدفوعة اكثر ما يكون برغبة قوية في الاستقلال، وعادة ما تكون هذه الشخصية آتية من اسرة تتحكم فيها كثيرا، فعندها يكون الكذب هو الطريق الوحيد للحرية من هذا التحكم، وهي الى حد ما تشعر بالسعادة نتيجة هذه الحرية السرية، وهي قد تشعر بنشوة تعالي وانتقام، التعالي على الاخرين لانها "تعلم ما لا يعلمون" عن نفسها، وكأنها تقول: "أنتم الاغبياء، تظنون أنكم تتحكمون في، أنا افعل ما أريد وراء ظهوركم، بل وأمام اعينكم أيها المغفلين وأنتم لا تعلمون الحقيقة"، فهذه الشخصية مثلا قد تتحدث في الهاتف الى رجل امام اهلها او اخرين ترى انهم يحاولون التحكم فيها ولكنها تدعي أنه فتاة صديقتها، فهذه الشخصية تشعر بالحرية والعلوية والانتقام من تحكم الاخرين فيها، وهي لا ترى أن الاخرين يستحقون معرفة حقيقتها وحقيقة حياتها، وذلك حفاظا على استقلاليتها، وأحيانا تأخذ هذه الشخصية قرارات مفاجأة في حياتها، وتبدو سريعة لدى الاخرين، وهدفها هو "اختبار" و "اثبات" استقلاليتها وحريتها، فهذه الشخصية تكذب لتبني توقعات معينة لدى الناس، وعندما تتأكد أن الاخرين "عاشوا" وصدقوا هذه التوقعات فانها عندها تأخذ قرارات مفاجأة ومعاكسة لتلك التوقعات التي خلقتها وليس لها هدف سوى اثبات حريتها واستقلاليتها، فهي كمن يقود سيارة ويلف يمنة ويسرة بشكل مفاجئ ودون أسباب واضحة للاخرين،






وبالطبع هناك من يكذب نتيجة خوف من عقاب او لاخفاء شيئ او للحصول على شيئ او مجاملة وما الى ذلك، وفي كل الحالات يهدف الكذب الى خلق انطباعات لدى الاخرين تكون غير حقيقية، وقد يتصرف الاخرون بناء على هذه الانطباعات والمعلومات الغير صحيحة، وهذا ما يسمى بالخداع، فالكذب هو أخفاء الحقيقة أو اعطاء الاخرين معلومات وانطباعات خاطئة ولا تمثل الواقع، فالكذب هو الكذب ولكن الدوافع تختلف،


ولكن هل تعلمون ما هو عكس الكذب؟


العقل،


الكذب هو نوع من انواع الجنون، ولكنه الى حد ما اختياري،


وما الجنون غير الانفصال عن الواقع والعيش في أوهام!


وما أخطر أن تحب كذبة أكثر من حبك للواقع والحقيقة!


فاما ان تكون عاقلا او كاذبا




د. ماجد عشي


السبت، 20 ديسمبر 2008

اضطراب القلق العام

هناك العديد من الاضطرابات النفسية التي تصنف على انها اضطرابات قلق، بمعنى ان العنصر الاساسي فيها هو وجود القلق او الخوف الزائد، ومنها اضطراب القلق العام او ما يسمى جنرالايزد انزايتي، يتميز هذا الاضطراب بقلق زائد ومستمر، ففي اغلب الايام يعاني الشخص من القلق ويستمر ذلك لشهور، ويكون الشخص قلق بخصوص موضوع معين او نشاط معين، مثل القلق بخصوص الدراسة او العمل او الزواج او الامور المادية وغيره، ويتميز هذا الاضطراب ايضا بان موضوع القلق يتغير مع الوقت، فان تم حل مشكلة بدأ القلق بخصوص الاخرى، ففي حقيقة الامر الشخص قلق ولا يعرف لماذا ولكنه يقنع نفسه انه قلق بسبب موضوع معين، فهو يربط قلقه بمواضيع ليجد تفسيرا لقلقه، ويجد الشخص صعوبة في السيطرة على هذا القلق، وقد يشعر انه غير مسترخي، ودائما على "الحافة"، يشعر بالاجهاد سريعا، ويجد صعوبة في التركيز او التفكير بهدوء، عضلات جسمه مشدودة، وسريع الغضب، كما يعاني مشاكل في النوم من أرق او استيقاظ متكرر مع تفكير في المشاكل، ويعاني الشخص ايضا من آثار هذا القلق الجسمية من تسارع دقات القلب وتعرق في اليدين وسرعة او ضيق في التنفس وغيرها من الاعراض، ولا بد من استبعاد الاسباب العضوية قبل الدخول في الامور النفسية، فهناك امراض عضوية كثيرة قد تؤدي الى هذه الاعراض، كما قد تنتج هذه الاعراض عن شرب المنبهات مثل القهوة والمشروبات الغازية او المخدرات او بعض الادوية، فلا بد من كشف عام قبل التشخيص النفسي .
د. ماجد عشي

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2008

ساعة مع الحبيب تكفيك زيارة الطبيب


ومن الضروري أن نعرف أن هذا السلوك عند الأطفال لتكوين روابط وعلاقات مع الوالدين هو سلوك فطري له أسس بيولوجية وكيميائية في جسم الإنسان ، حيث أن هذا الارتباط بين الرضيع وأمه موجود في الحيوانات أيضا مثل القطط والكلاب والقردة . ووجد الباحثون أن مادتين كيميائيتين في الجسم تسمى فاسوبريسن واوكسيتوسين تلعبان دورا مهما في تكوين العلاقة بين الطفل والأم ، حيث أن إفراز هذه المواد في جسم الأم يزيد من إحساسها بالأمومة وارتباطها بأبنائها بشكل فيه حنان. ووجد الباحثون أيضا أن جسم الأم يعمل بشكل خفي على تنظيم وظائف الجسم عند الطفل ، حيث أن تسارع دقات قلب الطفل وسرعة تنفسه وسرعة تكوين البروتينات في جسمه للنمو وإفرازات الغدد لديه كلها تكون متناسقة إلى حد كبير مع وظائف جسم الأم ونحن هنا لا نتحدث عن الجنين وإنما عن الطفل خارج جسم الأم. ووجد الباحثون أيضا شيء مماثلا يحدث بين النساء حيث أن الدورة الشهرية تنتظم عادة عند مجموعة نساء يعشن سويا في سكن الجامعة أو بيت واحد حيث تبدأ الدورة وتنتهي في وقت واحد، ومازالت هذه الظاهرة قيد الدراسة لمعرفة أسبابها. وبهذه الطريقة يمكننا أن نرى كيف أن العلاقات الانسانية سواء في الطفولة أو في الكبر يمكن أن تؤثر بشكل كيميائي على أجسادنا حيث أن الرضيع والطفل الذي يحصل على الأحضان والمحبة يكون حاصلا أيضا على منبهات حسية لنمو جسده وتنظيم عمل أجهزة جسمه ، وعلى العكس فالطفل الذي يكون في جو مضطرب ولا يحصل على الحب والأمان فإنه يكون معرضا أكثر للأمراض وسوء النمو واضطرابات الهضم والتنفس. وبالاضافة إلى ذلك وجد الباحثون أن الانسان عندما يكون مع من يحب فإن جسمه يعمل بطريقة مشابهة للطريقة التي يعمل بها عندما يكون هدفه الشفاء من جرح أو مرض ، فعندما تكون مع من تحب يفرز جسمك مواد كيميائية تزيد من التئام الجروح ومقاومة الالتهابات بينما يكون العكس صحيحا إن كنت تجلس أو تعيش مع من لا تحب. فإن جسمك يتصرف وكأنه في حالة من الحرب ، فتزداد دقات القلب ويتسارع التنفس وتزيد هرمونات الغضب والضغط النفسي وعلى المدى الطويل يؤدي ذلك إلى زيادة علامة كبر السن وظهور الأمراض العضوية والنفسية . ومن الناحية العصبية فإن إمضاء الوقت مع من نحب سواء لعشاء أو سماع موسيقى أو مشاهدة التلفاز أو غير ذلك من النشاطات الحميمة الهادئة يساعد على الاسترخاء ويزيد من إفرازات الهرمونات المسؤولة في الجسم عن تعويض الخلايا الميتة وإصلاح ما عطب منها . وبذلك يكون العيش في جو من المحبة والهدوء يعمل على إبطال مفعول الضغوط النفسية على الجسم ، فهي كالدواء لها. فالطفل الذي ينشأ في جو من المحبة تتكون لديه مقاومة كيميائية لأثار الضغوط النفسية عليه. كما أن نوعية العلاقة بين الطفل ووالديه لها تأثير على نمو وتركيب المخ عند الطفل ، فتحت الضغط النفسي المزمن تفرز مواد وهرمونات في الجسم مثل مادة الكرتيزول المفيدة على المدى القصير لمقاومة الضغط النفسي ولكنها ضارة لكل أعضاء الجسم بما فيها المخ على المدى الطويل. حيث وجد الباحثون أن مخ الإنسان الذي عانى في طفولته من سوء معاملة والديه أو غيرهما يكون مختلفا في بعض أجزاءه عن مخ الإنسان الذي لم يعاني سوء معاملة. فمثلا وجد أن الجزء الرابط بين شقي المخ أقل سمكا عند من عانوا سوء معاملة في طفولتهم وينتج عن ذلك ضعف في الاتصال العصبي بين شقي المخ وقد يميل الانسان إلى تقلب المزاج الحاد وتقلب رؤيته للأمور والأشخاص ، فأحيانا يرى شخصا ما كأنه ملاك وأحيانا كأنه شرير. وذلك ناتج عن هذا الانقسام في وظائف المخ كما يقترح بعض العلماء. ومن الأجزاء الأخرى التي تتأثر بإساءة المعاملة في الطفولة الأجزاء المسؤلة عن العاطفة في المخ . ومازالت هذه الدراسات في استمرار لفهم مدى هذا التأثير.

د. ماجد عشي

الأحد، 7 ديسمبر 2008

ما هي الفوبيا؟


مصطلح الفوبيا منتشر بين الناس وهو الخوف الزائد وغير المنطقي من اشياء معينة، فيبدأ الخوف عندما يتواجد هذا الشيئ او عندما يفكر الشخص او يتوقع تواجده، ومن امثلته الخوف من ركوب الطائرة او الخوف من الحقنة او الخوف من حيوانات معينة او غيرها من الاشياء او الاوضاع، وعندما يرى الشخص الشيئ الذي يخافه فان اعراض الخوف الشديد تبدأ وقد تصيبه حتى نوبة فزع او بانيك اتاك، ويعلم الشخص ان خوفه غير منطقي ولكنه لا يعرف ان يفسره وتتأثر نشاطاته بهذا الخوف، فقد يتجنب الاماكن العالية او المصعد او ركوب الطيارة او الباخرة وينتج عن ذلك تضييق على نشاطاته وربما نشاطات الاخرين معه، وهناك اشياء كثيرة يمكن تكوين مثل هذا الخوف نحوها، وبعضها قد يكون اكثر غرابة من اخرى، فالخوف من الثعبان اقل غرابة من الخوف من الماء مثلا، ومن السهل تجنب الثعابين ولكن يصعب تجنب الماء، فبعض هذه المخاوف لها تاثيرات كبيرة على حياة الشخص.
د. ماجد عشي

ما هو السلوك غير الطبيعي؟


قد يبدو السؤال غريبا، وقد يقول قائل انه من السهل التعرف على السلوك غير الطبيعي، ولكن الامور ليست بهذه البساطة، فمثلا لو قلت لك ان سعيد وجده اهله يجلس على شجرة، فهل سلوكه طبيعي؟ هناك اسئلة لا بد ان نسألها قبل الاجابة، كم عمر سعيد؟ ان كان سعيد في الخامسة من عمره فقد نرى سلوكه نوعا من لعب الاطفال الطبيعي، اما ان كان في الخمسين فقد تختلف الامور، ولكن ماذا لو قلت لك انه قفز من النافذة وتعلق بالشجرة هربا من لص؟ ستختلف رؤيتك لسلوكه، اذا لا بد من أخذ أمور عدة في الاعتبار قبل الحكم على سلوك شخص، فعلماء النفس يسألون عدة اسئلة قبل الحكم على تصرف شخص ما، منها:

أولا: هل هذا السلوك شاذ عن الغالبية؟
ان كان غالبية الناس ينامون في الليل وشخص يحاول النوم ولايستطيع، عندها يمكننا ان ننظر ان كان هناك خلل ما، ومثله ان كان غالبية الناس لا يغسلون ايديهم كل خمس دقائق وشخص يفعل ذلك، فشذوذ السلوك قد يدل على مشكلة، ولكن ليس دائما، فكل العظماء والعباقرة والمصلحين كانو قلة في مجتمعاتهم ولا يمكن وصفهم بأنهم مرضى، هذا عامل واحد فقط ولا بد من أخذ عوامل
أخرى في الحسبان،

ثانيا: هل السلوك مناسب للعرف وتقاليد المجتمع؟
ان كانت التقاليد تتوقع احترام الكبير وجاء شخص وجلس وتكلم باسلوب يراه المجتمع غير مناسب، فقد يدل ذلك على اضطراب نفسي، فمثلا ان يفسر العربي امر ما على انه ناتج عن سحر فقد يكون ذلك بسبب الحضارة التي يعيش فيها، ولكن سيختلف الامر لو ان تفسيره تضمن قصص مقابلات مع مخلوقات من الفضاء، ولكن ايضا هذا المقياس له حدود، فهناك اشخاص لا يتبعون بعض التقاليد لايمانهم بمبادئ اسمى، ولا يكون ذلك دليلا على مرض،

ثالثا: هل السلوك مناسب للموقف؟
فالشخص الذي يضحك في ميتم او يلعب ورق أثناء المحاضرة او يغضب ويضرب لان شخصا لم يتركه يمر في الطريق، كل هذه قد تكون علامات اضطراب،

رابعا: هل التصرف مناسب لعمر الشخص ودوره؟
فطفل يصرخ ويسقط على الارض لانه يريد لعبة غير ان يسقط بالغ ويصرخ طلبا لشيئ ما، فكل مرحلة لها ما يناسبها، الطفل غير المراهق غير الراشد غير كبير السن، فقد يكون علامة مشكلة ان نرى طفلا لا يلعب، او ام لاتعتني بأطفالها، او أب يؤذي اولاده بدل ان يحميهم،

خامسا: هل التصرف يؤذي النفس او الاخرين؟
التدخين والادمان والانتحار امور تدل على وجود مشاكل، كما ان ايذاء الاخرين جسديا او نفسيا دليل اضطراب، ومثلها الدخول في علاقات ضارة، فليس سويا ان يضر الانسان نفسه او الاخرين،

سادسا: هل هناك معاناة؟
وجود المعاناة قد يكون دليل وجود مشكلة، فالقلق المستمر والارق والاكتئاب وغيرها تحتوي على معاناة، هناك معاناة طبيعية مثل الحزن عند فقد حبيب، ففي هذه الحالة غياب المعاناة قد يدل على مشكلة، وهناك معاناة غير عادية، مثل ان يفقد الشخص اي قدرة على الاستمتاع بالحياة او النوم او العمل او الاعتناء بنفسه، فالمدة والسبب لا بد من أخذها في الاعتبار،

بعد النظر في كل هذه الامور يمكننا ان نحاول الحكم على السلوك، وحتى حينها يتطلب الامر رأي المختص الخبير في هذه الامور.


د. ماجد عشي

ما هو الخوف او الرهاب الاجتماعي؟



انه الخوف المستمر من المواقف الاجتماعية التي قد يكون فيها الشخص عرضة للتقييم او لمقابلة اشخاص لا يعرفهم، والشخص يخاف ان يتصرف بطريقة مخجلة او ان تظهر عليه اعراض قلق محرجة، بالنسبة للاطفال فلا بد ان يكون مثل هذا الخوف مع من هم في سنهم ايضا وليس مع البالغين فقط، وعندما يكون الشخص في وضع اجتماعي يخشاه فان اعراض القلق تظهر عليه من تسارع دقات القلب وغيرها، اما الطفل فيمكن ان تكون الاعراض على هيئة بكاء او تجمد في المكان او غضب، ويحاول الشخص تجنب مثل هذه الاوضاع الاجتماعية مما قد يحد من نشاطاته، وكالعادة يجب اولا استبعاد اي اسباب عضويه ومخدرات وادوية واي اضطرابات نفسية اخرى قبل تشخيص هذا الاضطراب.
د. ماجد عشي

كيف تؤثر البيئة على نفسيتك؟



علم النفس البيئي هو علم يدرس العلاقة بين الانسان والبيئة المادية من حوله، والبيئة تشمل المباني والطقس وديكور المنزل والالوان وما الى ذلك، فهذه الامور تؤثر في نفسية الانسان، فاحاسيسك ستكون مختلفة ان كنت تجلس في حديقة امام بحيرة عن احاسيسك ان كنت تقف في وسط البلد والازدحام، فما تتوقع ان يكون احساس شخص يجلس في غرفة صغيرة وسقفها منخفض مقارنة بشخص يجلس في مكان واسع؟ فكل المباني من حولنا والديكورات تترك اثرها على نفسيتنا، ويمكن للمباني ان تزيد من نسبة الجريمة ايضا! فالشوارع الضيقة المظلمة تشجع على الجريمة، ووجد رجال الامن في العديد من المدن ان وضع اضاءة قوية في الشوارع ومواقف السيارات يخفض من نسبة الجريمة، ومصلحة السجون ايضا يعملون على تصميم السجون باساليب علمية، فهل تصميم السجن يكون للعقاب ام للاصلاح! قبل سنوات طلبت مني الجامعة تدريس علم النفس للسجناء في احد السجون، وكنت وقتها ادرس ايضا مادة علم النفس البيئي على يد احد منشئي هذا الفرع من العلم، وطلب منا ان نمشي معه في الشوارع وان نراقب كيف تتغير مشاعرنا حسب البيئة من حولنا، وأخذنا ايضا لزيارة السجن! وطلب من كل طالب ان يدخل الزنزانة وحده ويبقى فيها والباب مغلق لمدة خمس دقائق، وكان يطلب منا ان نلاحظ مشاعرنا داخل الزنزانة، بالطبع مشاعرنا تختلف حسب المكان، ومعالجي الادمان يعلمون ان كثيرا من المدمنين يستخدمون المخدرات في نفس الشارع او الغرفة، ويمكن ان يرتبط المكان بالمخدرات، فكلما مر من ذاك الشارع او دخل تلك الغرفة تذكر المخدرات وشعر بالرغبة في الاستخدام، والبيئة تتأثر بالناس ايضا ويمكننا معرفة الكثير عن الناس من البيئة التي حولهم، فالديكور وتصميم المباني والالوان وغيرها تعكس نفسية الناس، فالناس تستخدم البيئة للتعبير عن نفسها، فشخص يحب البساطة في الديكور واخر يحب الاشياء الثمينة واخر يحب ان تكون غرفته بعيدة عن الاخرين، هذه الامور وغيرها تعكس شخصية الانسان ومبادئه ومشاعره، فان دخلت غرفة شخص ووجدتها غير مرتبة او قذرة فان ذلك قد يعطيك انطباعا ان هذا الشخص مكتئب، والعكس صحيح ان دخلت بيتا ووجدته جميل ونظيف، فالبيوت تعكس نفسية الناس، ومن الامور التي يبحث فيها علم النفس البيئي موضوع تصميم الاجهزة بشكل سهل على الانسان، فمثلا كثير منا اراد الخروج من باب في احد الاسواق ولكن لم يعرف ان كان عليه دفع الباب ام سحبه! وكثير من هذه الابواب ثقيل لدرجة يصعب فيها على النساء دفعه كالابواب الدائرة والمتحركة، كما ان كثيرا من النساء يجدن صعوبة في فتح علب الصودة دون كسر اظافرهن، او ان يجدن مكانا في السيارة لوضع حقيبة اليد، كما ان التصاميم المعقدة للاجهزة الالكترونية لا يأخذ في الحسبان كبار السن الذين لم يعتادوا على مثل هذه الاجهزة وطرقها، وبالطبع هذه الامور تترك اثرها في الشخص، فقد يشعر بالاعتمادية غير الضرورية على الاخرين او بالنقص او بالتوتر، كما ان مستوى الضوضاء والحرارة والرطوبة والخصوصية كلها تؤثر في الانسان كثيرا، فالجرائم والحروب تكثر في الصيف، كما ان الانسان قد يشعر بالاكتئاب ان كان لا يستطيع التحكم في كمية المعلومات التي يعرفها الاخرون عنه او يعرفها عنهم نتيجة الازدحام او ندرة المسكن، فالبيئة تؤثر وتتأثر بالانسان، واسلوب تعامله معها يدل على صحته النفسية وشخصيته .


د. ماجد عشي

الضغط النفسي والمناعة

علم النفس المناعي العصبي هو العلم الذي يدرس التغيرات في جهاز المناعة في الجسم المرتبطة بنفسية الفرد وسلوكه كما يدرس التغيرات السلوكية المتأثرة بتغيرات جهاز المناعة في الجسم . وتنتج هذه العلاقة عن تفاعل بين الجهاز العصبي والمناعي والهرموني في الجسم . وقد نشأ هذا الفرع من العلم خلال الثلاثة عقود الماضية ، وبالرغم من الأدلة المتراكمة التي أظهرت أثر الضغوط النفسية على الصحة الجسدية فإن أبحاث قليلة درست أثر العلاقات الاجتماعية ونوعيتها مثل إساءة المعاملة في الأسرة والكبت العاطفي على الصحة الجسدية في المرأة والرجل.
إن الوظيفة الأساسية لجهاز المناعة هي التعرف على الأجسام الغريبة عن الجسم والدفاع ضدها ، كما يقوم جهاز المناعة بالتعرف على أعضاء الجسم وخلاياه وتفريقها عن الأجسام الغريبة حيث تكون ردة فعل جهاز المناعة السليم موجهة فقط للأجسام الغريبة دون غيرها.
يتكون جهاز المناعة من أعضاء مثل النخاع والغدد الليمفاوية والطحال والنسيج الليمفاوي، كما يحتوي على أنسجة مختلفة وخلايا ذات أنواع متعددة ، وعندما يدخل جسم غريب إلى الجسم تغير هذه الخلايا من مدى انقسامها وتكاثرها وكمية إفرازاتها المضادة للجسم الغريب وحركتها في اتجاه الجسم الغريب وقدرتها على ابتلاعه.وهناك نوعان أساسيان من الوظائف المناعية : مناعة خلوية تقوم بها خمسة أنواع أساسية من الخلايا المناعية حيث تقوم بمهاجمة الجسم الغريب مباشرة . وهناك المناعة الكيميائية حيث تفرز الخلايا مضادات حيوية تلتصق بالجسم الغريب وتدمره بأشكال مختلفة. خلايا المناعة تتصل ببعضها وتتناقل المعلومات فيما بينها من خلال مواد كيميائية تفرزها تسمى سيتوكاينز. وهناك أنواع من هذه المواد ولكل منها وظائف محددة وتفرز عند حدوث أمراض معينة مثل السرطان والالتهابات والإيدز. وهناك حالات يهاجم فيها جهاز المناعة أعضاء الجسم وكأنها أجسام غريبة وتسمى هذه الحالات أمراض المناعة الذاتية، ويمكن لجهاز المناعة في هذه الحالات أن يهاجم عضو واحد أو جهاز في الجسم بكامله، ويحدث ذلك نتيجة فشل جهاز المناعة في التعرف على ما هو جزء من الجسم وما هو غريب عنه.لمدة طويلة كان يعتقد أن جهاز المناعة يعمل بشكل منفصل عن تأثيرات الجهاز العصبي ولكن اكتشافات جديدة أظهرت أن أعضاء جهاز المناعة تستلم أوامر عصبية من خلال أعصاب ممتدة من المخ إلى هذه الأعضاء وبالإضافة إنه قد وجد أن خلايا الجهاز المناعي عليها مستقبلات للناقلات العصبية الكيميائية المسماة الى نيوروترانسمترز وهذه المواد التي تنقل الرسائل بين الخلايا العصبية. وكون خلايا المناعة تستقبل هذه الكيميائيات فإن ذلك يدل على أن الجهاز العصبي يؤثر في الجهاز المناعي من خلال الأعصاب ومن خلال هذه الكيميائيات. ولهذه النتائج أهمية كبيرة حيث أنها توضح أن الأمور النفسية يمكن لها أن تؤثر في وظائف المناعة من خلال الأعصاب والمواد الكيميائية الناشئة من المخ . كما وجد الباحثون أن خلايا المناعة عليها مستقبلات لهرمونات تدخل في رد فعل الجسم للضغط النفسي.
فعندما يتعرض الإنسان للضغوط النفسية يقوم الجسم بإفراز هرمونات مثل الكورتيزول لمقاومة الضغط
النفسي وعندما تتصل هذه الهرمونات بجهاز المناعة فإنها تضعف عمله ، ومعنى ذلك أنه إذا كان الإنسان يتعرض لضغط نفسي مزمن ولفترة طويلة فإن ذلك سيؤدي إلى الإخلال بعمل جهاز المناعة. بالإضافة إلى ذلك وجد الباحثون أن خلايا في المخ وبالخصوص في الغدة النخامية لديها مستقبلات للسيتوكاينز وهي الكيماويات الحاملة للرسائل بين أجزاء الجهاز المناعي مما يعني أنه بإمكان جهاز المناعة أن يؤثر هو أيضا على المخ والنفسية والسلوك. فمثلا عندما يحدث التهاب ما في الجسم يزيد إفراز مادة السيتوكاينز وتؤثر هذه المادة على المخ بشكل يؤدي إلى ظهور ما يسمى سلوك المرض . فعندما يصاب الشخص بنزلة بر مثلا فإنه يعاني من حالة شبيهة بالاكتئاب الخفيف حيث يفقد الرغبة في الاختلاط مع الآخرين وفي الطعام ويضعف عنده التركيز فهذا يعني أن الالتهاب قد يغير سلوك ونفسية الفرد من خلال جهاز المناعة وأثره على المخ .وأبحاث عديدة في علم النفس المناعي العصبي تظهر أن العديد من الأمراض النفسية مثل الفصام أو ما يعرف عند العامة بالجنون قد يكون ناتج عن ردة فعل للجهاز المناعي. فقد وجد الباحثون أنه في حالات كثيرة من الفصام يقوم الجهاز المناعي بمهاجمة المخ وكأنه عضو غريب والسؤال هو هل ينتج الفصام عن هذا الهجوم المناعي على المخ أم أن الهجوم على المخ سببه تغيرات في المخ نتيجة الفصام ؟ لابد من إجراء المزيد من الأبحاث في هذا الشأن.وقد وجد الباحثون أن الضغط النفسي المستمر يؤثر على أجزاء مختلفة من الجهاز المناعي مما يؤدي إلى زيادة أعراض كبر السن والشيخوخة وتأخر التئام الجروح وأمراض عديدة مثل السرطان والإيدز وأمراض القلب والضغط وأمراض المناعة بالإضافة إلى أمراض أخرى عديدة.

د. ماجد عشي

اضطراب "الجنون" الجماعي!



نعم، هذا احد الاضطرابات النفسية وموجود في كتب الطب النفسي، هذه حالة تحدث عندما يصدق مجموعة من الناس "كذبة" او وهم غريب، فمثلا قبل ما يزيد عن عشرة اعوام اقدمت مجموعة من العشرات في أمريكا سمت نفسها "بوابة السماء" على الانتحار الجماعي، فقد كان عندهم قائد اقنعهم انهم اصلا مخلوقات فضائية وانهم دخلوا هذه الاجساد لمهمة وان مركبة فضاء ستأتي في تلك الليلة لتأخذهم، واعطاهم تعليمات للاستعداد، فحلقوا رؤوسهم ولبسوا زيا موحدا وشربوا السم واستلقوا كل في سريره وغطوا وجوههم في انتظار سفينة الفضاء، هذا "جنون" جماعي، وحدث اكثر من مرة ان جاء اشخاص ليدعوا انهم المسيح عليه السلام او المهدي المنتظر او حتى الشيطان والعياذ بالله، ووجدوا من يصدقهم بل ويحارب من اجلهم، ومن امثلة ذلك رجل في أمريكا كان اسمه كوراش وكان يدعي انه المسيح، وسكن فيما يشبه القلعة وجمع داخلها عشرات النساء المؤمنات به!! وعاشرهن وانجب من كثيرات، وعندما حاصرته الدولة أخذ يردد انهم اتوا لصلب المسيح وقاوم هو ومن معه عسكريا الى ان قتلوا جميعا، واذكر قصة سمعتها عن اهل قرية في افريقيا كانوا على شيئ من العداء مع القرية المجاورة، وكانوا يؤمنون ان اهل تلك القرية تنقلب وجوههم الى حيوانات اثناء النوم، فكانوا يخافونهم ولا يثقون بهم، وفي اغلب الحالات تبدأ الظاهرة بشخص عنده اوهام ولكنه مقنع فيؤمن آخرون باوهامه، وقد تكون الاوهام اقل غرابة كأن تعتقد مجموعة ان فلان او فلانة من السحرة دون ان يكون له أي علاقة بهذه الامور، حدث هذا في مدينة سالم الامريكية قبل قرون، حيث بدأ الناس باعدام المئات من النساء بتهمة السحر والشعوذة، وكانوا يعتقدون انهن يركبون مكانس، ومن الذين اعدموا رجلا وسيما كان عنده معجبات كثيرات فاتهموه بسحرهن! فالجنون قد يكون جماعي .
د. ماجد عشي

الحضارة والاضطرابات النفسية



كيف يمكن لحضارة الانسان ان تؤثر في صحته النفسية؟
الحضارة هي مجموعة الاعراف المتواجدة في المجتمع والتي تحدد للشخص سلوكه وتفكيره وردود فعله واعتقاداته ودوره الاجتماعي، فمثلا الحضارة في مجتمع ما تحدد الملبس ونوع الاكل ودور الزوجة والزوج وكيف يتقدم العريس للخطبة وما الى ذلك، بالطبع الدين يؤثر في الحضارة ولكن الحضارة يمكن لها ان تؤثر في الطريقة التي يفهم بها المجتمع التعاليم الدينية، فكثير من الطقوس الدينية تكون متأثرة بحضارة المجتمع، فمثلا المسيحيون السود لهم اسلوب في الطقوس يختلف شيئا ما عن طقوس المسيحيين البيض من حيث الموسيقى والنشاط في الحركة في الكنائس، والمسلمة في الباكستان تلبس حجابا يختلف شكله شيئا ما عن المسلمة في تركيا او افريقيا، فالحضارة لها دور في شكل الامور وليس في المبادئ عموما، الحضارة تحدد ما يجب ان نحب وما يجب ان نكره، فمثلا الحضارة العربية تعلم الناس حب الموسيقى العربية واغاني ام كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم، اما الحضارة الغربية فتعلم ناسها حب الموسيقى الكلاسيكية وفرانك سناترا والفيس وغيرهم، العرب يقبلون بعضهم البعض عند اللقاء، البريطانيون يتصافحون، واليابانيون يحنون رؤوسهم، والحضارة تؤثر في امور اكثر من الشكليات، فتجارب الامم والشعوب تتراكم عبر التاريخ لتكون حضارتهم، مثلها مثل شخصية الانسان التي تتكون نتيجة تجاربه في الحياة وخبراته، وهذا ما يجعل الناس افرادا وامما مختلفين، انه اختلاف التجارب، فهناك نمو طبيعي للشعوب والامم ولا يمكن قطع امة من تاريخها، الا اذا محونا ذاكرة الامم والشعوب، وذاكرة الامم تبقى في كتبها ومناهجها واعلامها وافلامها وموسيقاها وشعرها ولباسها ولغتها واكلها و قوانينها وتشريعاتها و غيرها من الامور، حتى في قصص وترنيمات الامهات لاطفالهن قبل النوم، الحضارة تنتقل عبر مثل هذه الامور من جيل الى جيل، والحضارة تلعب دورا مهما في الصحة النفسية، فالحضارة تحدد ما يمكن تعريفه على انه مرض نفسي وما يمكن تعريفه على انه شيئ طبيعي، فمثلا من العادي في بعض الحضارات ان يقول شخص "جائني ابي المتوفي في المنام واخبرني انه علي ان ازور خالتي واعطيها هدية" ويقوم فعلا بالتنفيذ، فهو امر عادي ومقبول، اما في حضارة اخرى فقد ينظر الى هذا الكلام على انه علامة اضطراب عقلي، ومثلا ان يجلس الشاب امام ابيه واضعا "رجل على رجل" هو امر عادي في بعض الحضارات، ولكنه امر غير طبيعي في حضارات اخرى، كما ان تتحدث المرأة عن علاقاتها الغرامية السابقة مع صديقاتها امام زوجها وهو يصغي باهتمام مبتسما هو شيئ عادي عند بعض المجتمعات، ولكنه ضرب من الجنون في مجتمعات اخرى، فكما ذكرنا في مقال سابق فان الناس تحكم بالغرابة على ما يخالف الاعراف، والحضارة تحدد ايضا اعراض الامراض النفسية، فمثلا لا تسمع عن "مجنون" في امريكا يقول انه المهدي المنتظر، وانما يقول انه المسيح، وقد تجد في المستشفيات النفسية العربية نساء يطبلن ويرقصن رقص شرقي ولا ترى ذلك في اليابان مثلا، فكثير من الاعراض تحددها الحضارة، الاكتئاب هو نفسه الاكتئاب ولكن التعبير عنه قد يختلف من حضارة الى اخرى، والحضارة تحدد نظرة الناس للمرض النفسي، وكيفية تعامل الناس معه، هل يعالج بالادوية ام بالجلسات ام بالاعشاب ام بالرقية ام بالزار ام بغيره؟ فالحضارة تلعب دورا في الكيفية التي يفسر بها الناس المرض وكيفية علاجه، مثلا هل سبب الاكتئاب خلل كيميائي ام مشاكل اسريه ام ضعف دين ام ضغوط اقتصادية؟ فالحضارة تحدد للشخص أي التفسيرات يأخذ وأي يترك، يأتي العلم والابحاث لمحاولة الاجابة، ولكن لا بد ان نعرف انه حتى البحث العلمي يتأثر بالحضارة، فقيمة البحث العلمي واهميته ودعمه وحتى الاسئلة التي تكون جديرة بالبحث كلها تتحدد بالحضارة، فمثلا لا نجد باحث في دول الخليج يبحث في اسباب انتشار ادمان الخمر بين سكان امريكا الاصليين، كما انه نادرا ان تجد ابحاث عن استخراج البترول في دول ليس لها علاقة بانتاج او استخراج البترول، فحضارة المجتمع تحدد اولوياته وما هو مقبول البحث فيه وما هي حقيق بالدعم، ويمكن ان تكون بعض الممارسات الحضارية سببا للمرض النفسي، فبعض العادات لها نتائج سلبية على الناس، فمثلا الشرب هو في صميم الحضارة الروسية ونتيكة ذلك يوجد في روسيا اعلى نسبة ادمان كحول، كما ان خوف اليابانيون من الخزي الاجتماعي يجعلهم من اكثر الشعوب في نسبة الانتحار، وروح الانفرادية وضعف الترابط الاسري يجعل الناس في بعض دول الغرب يشتكون اكثر من الوحدة والعزلة الاجتماعية، كما ان التدين المعتدل يزيد من الوقاية من الامراض النفسية، فالخلاصة ان الحضارة لها دور في تعريف الامراض، وفي نوعية الاعراض، وفي تفسير الاسباب، وفي كيفية العلاج، وفي تسبيب الامراض والوقاية منها.
د. ماجد عشي