الأحد، 14 أكتوبر 2012

التحليل النفسي للصراعات الاجتماعية والدولية

 
الصراعات داخل الاسره او في أي مجتمع او بين الدول تبدأ بوجود تظلمات عند احد الاطراف، قد تكون هذه التظلمات قائمة على امور تحدث في المجتمع مثل التفرقة او اعمال تقوم بها جماعة ضد اخرى او وجود اعمال او اقوال تنم عن سوء الفهم للاخر والكراهية له او لعقيدته او حضارته او غيره، وقد تكون التظلمات بشأن احداث تاريخية او هزائم في حروب او اعمال عنف سابقة، وقد تكون التظلمات لها علاقة بمؤسسات الدولة وعملها من مثل احتكار السلطة او اختلاس اموال الامة او ممارسة الاضطهاد ضد الشعب او شرائح منه وغيره من اساءة استخدام السلطة، اذا أي صراع يبدأ بوجود تظلمات ما
 
والعامل الثاني في الصراع هو وجود قيادات او اطراف تعمل على استمرار تذكير الناس بهذه التظلمات وتغذيها بالخطب واحيانا بقراءة خاطئة او منحازة للحاضر او للماضي، واحيانا بنشر شائعات عن ظلم، وهذه الاطراف التي تعمل على تذكية الصراع قد تكون في أي موقع، سواء كانت في التعليم او الاعلام او الاماكن الدينية او مواقع حكومية او غيرها، وهذه القيادات نوعان، نوع يعمل على تحسين الوضع بالطرق السلمية والقانونية ومن خلال الحوار والاقناع وبالطرق التي تبني ولا تهدم، وهناك نوع من القيادات يعمل على استغلال تظلمات فئة ما لأشعال الصراعات وتذكية العنف والكراهية وتبريرها، وهم كمن يصب البنزين على النار لتشتعل اكثر من خلال اقوالهم وافعالهم، وهؤلاء ينتظرون الفرصة السانحة لأشعال الصراع
 
وهنا يأتي العامل الثالث في الصراع، وجود حدث ما يشعل الصراع، فالتظلمات والكراهية قد تكون موجودة كالنار تحت الرماد، ولكن قد يتعايش المجتمع بشكل ما او اخر، ولكن وجود بعض الاحداث، واحيانا قد تكون امور صغيرة وغير متوقعة، قد يشعل الصراع الدفين، والقيادات من النوع الثاني اعلاه تنتظر هذه الاحداث حتى تزيدها اشتعالا
 
اذا عوامل ثلاثة تعمل معا لنشوب الصراعات في المجتمع الواحد او بين الدول، وجود تظلمات، وجود قيادات تعمل على اشعال الخلافات، ووجود احداث تشعل فتيل الصراع المدفون
 
ولتجنب الصراع في المجتمع او بين الدول فلا بد من عمل الاتي
 
اولا: التعامل مع تظلمات الناس بجدية، الاستماع لها، ورفع الظلم، ومعالجة الوضع بالعدل وقبل فوات الاوان، ان انكار وجود الظلم لن يفيد في شيئ، فما يعاني منه جماعة ما لن يذهب بمجرد انكارنا لوجوده، فلا بد من اصلاح المؤسسات وفتح باب الحوار والتعبير عن التظلمات بالطرق السلمية والشرعية والعمل الجاد على حل الامور، وتوضيح الامور ان كان هناك سوء فهم ما
 
ثانيا: التعرف على القيادات المختلفة في المجتمع ومعرفة ما ان كانت من النوع الذي يعمل على تغذية الصراعات واشعالها ام النوع الذي يعمل على حل الامور بالطرق السلمية والشرعية والحوار وان طال امدها، وهناك اساليب ذكية كثيرة للتعامل مع مشعلي الصراعات، فبعضهم له اجندة ومصالح خاصة، او يعمل لحساب جهات ما يهمها تذكية الصراع، وبعضهم حسن النية ولكن لا يعرف نتائج ما يفعل، وبعضهم يؤمن بالعنف والدموية "ويجد نفسه" بين نيران الحروب، وبعضهم يريد الشهرة او يحلم بالبطولة او "دخول التاريخ"، او يعتقد انه بطل فعلا، وبعضهم يعاني من مشاكل نفسية تنعكس على سلوكه وقوله السياسي، ودوافع اخرى كثيرة، فبالاضافة الى التعامل الجاد مع التظلمات من خلال رفعها واشاعة العدل والاصلاح المستمر في المجتمع والمؤسسات، لا بد من التعامل مع هؤلاء القيادات بذكاء وحسب الحالة، دون اللجوء الى التعذيب او الاغتيال، فهذه الاعمال تزيد من تظلمات الناس وتشعل الصراعات
 
ثالثا: لا بد من التعامل مع المستجدات بجدية وتوقع ما يمكن ان يشعل فتيل الازمة مهما كان الامر صغيرا، وذلك من خلال رفع أي ظلم يقع وتحقيق العدل وشرح الامور بوضح للناس، ان الغموض يعمل على زيادة الازمات
  
رابعا: لا يمكن ان تقوم ازمة وتشتعل نيران الا بوجود شباب يمكن استدراجهم في الازمة، وهنا لا بد من التعامل مع مشاكل الشباب بجدية، سواء كانت مشاكل التوظيف او مشاكل الزواج او الفراغ او الصراعات الحضارية او الثقافة او الترفيه وما الى ذلك، الشباب عنده طاقة يمكن استخدامها في البناء وان اهملت يمكن استخدامها من قبل القيادات المشعلة للصراعات في الهدم، فكل شاب وشابة يجب ان يشعر انه جزء من مشروع البناء وانه جزء مهم في المجتمع وان هناك امكانية للتطور والنجاح والتعبير عن الامكانيات، تهميش الشباب وقدراتهم واهمال احتياجاتهم امر خطير على السلم، ولا بد من نشر ثقافة رزينة وناضجة في المجتمع تشيع بين الناس الاحساس بالمسؤولية وتعطيهم دورا في الحياة وفي تطوير مشروع المجتمع، كما لا تشيع هذه الثقافة العنف على انه امر محبذ، فمن يؤمن باستخدام العنف لاجبار الاخرين على الطاعة في البيت او في المدرسة او في الشارع سيستخدم العنف ضد  من يخالفه في المجتمع، لا بد من اجتثاث ثقافة "الاكراه" من جذورها واحلال ثقافة الحوار والتشاور واحسان الظن في الاخرين والاقناع والاحترام المتبادل والتواضع والتعايش مع من يختلف عنا والمواطنة واحترام القانون
 
أي صراع يحدث في العالم يمكن ان يكون فرصة للبشر للعمل جميعا على حله والتعاون لما فيه الخير، ويكون ايضا فرصة لمزيد من الصراعات والعنف وحدوث امور تزيد من التظلمات والمآسي في الحاضر والمستقبل، يمكننا ان نختار
 
 
د. ماجد عبدالعزيز عشي   
 
 

الأربعاء، 8 أغسطس 2012

الالزهايمر

الالزهايمر هو من الامراض التي تصيب بعض الناس مع تقدم العمر، ويصيب حوالي اكثر من نصف الناس بعد سن التسعين، وقد تبدأ الاعراض بشكل تدريجي في السبعين واحيانا حتى في الخمسين من العمر، ومن اكثر اعراضه وضوحا اضطراب الذاكرة، بحيث يبدأ الشخص في عدم القدرة على تخزين الذكريات، بمعنى انه قد تمر به امور وينساها سريعا ولا يخزنها في الذاكرة طويلة المدى، فقد يضع الشخص شيئا في مكان ما وينسى ذلك تماما ويظن ان احدا اخذه، وقد يقابل انسانا وبعد قليل ينسى انه قابله، ويتكرر ذلك كثيرا، ومع تطور المرض تبدأ ذكريات اخرى في المحو، ومع الوقت قد ينسى الشخص اولاده وزوجه وينسى ماضيه وحياته، وقد ينسى اللغة فلا يعرف الكلمات او اسماء الاشياء، وقد ينسى كيف يأكل او كيف يستحم او كيف يمسك بالملعقة، وقد ينسى ان كان قد اكل او لا، وهذه حالات متقدمة من المرض، وفي مثل هذه الحالات يصبح الشخص معتمدا كليا على الاخرين وقد يشكل المرض خطرا على حياته

اسباب المرض عديدة، فقد وجدت الدراسات بعد فحص مخ المصابين بعد وفاتهم ان هناك ترسبات كبيرة لمواد معينة حول الخلايا العصبية، وهناك نظريات مختلفة عن الاسباب العصبية ولكن كلها تدور حول تغيرات في الاعصاب في المخ وفي البيئة المحيطة بالاعصاب، وقد وجد العلماء ان الاستمرار في النشاط الجسماني والفكري والاجتماعي يساعد على مقاومة هذا المرض، فالمشي والحركة والعمل يؤثروا في الجسم ايجابيا، كما ان حل الكلمات المتقاطعة او حفظ امور ما او التفكير في اشياء تتطلب نشاطا فكريا يساعد في الوقاية، كما ان النشاط الاجتماعي وعدم الانعزالية لها اثار ايجابية ايضا، وقد وجد الباحثون دورا مهما للتغذية السليمة مع الاكثار من الخضار والفواكه والاقلال من اللحوم والدهون والنشويات

ولا يوجد علاج اليوم لهذا المرض ان بدأ، وان كان هناك ادوية تقلل او تبطء من الاعراض وتساعد في التحكم بشكل ما فيها، والعلاج السلوكي والنفسي قد يساعد في تعليم المريض بعض السلوكيات التي تساعده في مواجهة الاعراض، كما ان العلاج النفسي قد يساعد في تجهيز المريض نفسيا، والعلاج الاسري مهم ايضا بحيث يساعد اهل المريض في التعامل مع الاعراض والالم النفسي الذي قد يعانوه لمشاهدة الحبيب ينساهم وفي حالة صعبة خصوصا مع تقدم العمر، وقد يكون هذا المرض مصحوبا عند بعض المرضى بتغيرات كبيرة في الشخصية او المزاج، فقد يصبح الشخص عدوانيا او شكاكا او عنيفا او مكتئبا، وقد يخرج المريض من البيت وينسى كيف يمكنه العودة او ينسى انه يسكن في بيت ما تماما، وقد يكون المريض عرضة للاستغلال المادي حيث انه قد ينسى ان اعطى مالا لأحد او ان له حساب في البنك وما الى ذلك، وهذا يجعل المريض واهله في معاناة، والتعامل مع هذا المرض وتبعاته يحتاج الى تعاون طبي ونفسي واسري وديني وحكومي وغير حكومي يوفر للمريض واهله الدعم المعنوي والطبي والمادي والاجتماعي

وبالطبع قد يسبب هذا الوضع ضغطا ماديا على بعض الاسر نتيجة التكلفة او ضغطا معنويا نتيجة حاجة المريض للمتابعة اربع وعشرين ساعة وخصوصا في الحالات المتقدمة من المرض، واليوم الناس ممن في سن الخمسين والستين عليهم رعاية من هم اكبر منهم من اهلهم كما عليهم رعاية الشباب نتيجة البطالة والازمات الاقتصادية، فالضغط على هذه الشريحة العمرية في المجتمع كبير، فلا بد من انشاء تنظيمات اجتماعية تساعد الاهالي في رعاية المرضى من اسرهم، ومن هذه التنظيمات الموجودة الان التشجيع على الرعاية الطبية المنزلية بحيث يقوم الطبيب والممرضات بزيارات دورية للمرضى التابعين للمركز الصحي في الحي او القرية، كما يمكن انشاء مراكز متخصصة لرعاية مرضى الالزهايمر وانشاء اندية ونشاطات لهم ولكبار السن عموما تساعدهم على النشاط الفكري والجسدي والاجتماعي

واختم بهذه القصة التي قرأتها قبل سنوات، كان هناك رجل يزور امه واباه المرضى بالالزهايمر في البيت يوميا، ويقوم باطعامهم وتحميمهم والتحدث اليهم مع انهم لم يكونوا يعرفونه، فقد نسوه،  فسأله يوما صديق وقال له: لماذا تزور والديك يوميا وترعاهم وتحادثهم مع انهم لا يعرفونك ولا يقدرون ما تفعل وينسونه، فرد عليه: ان كانوا لا يعرفونني ولا يقدرون وينسون ما افعل فانني اعرفهم واقدر واذكر لهم ما فعلوا طوال حياتي من خير 

د. ماجد عبدالعزيز عشي 

الجمعة، 3 أغسطس 2012

المقياس والغرور

هناك بعض الناس الذين يأخذون من انفسهم مقياسا يقيسون به كل الناس، ففي رأي انفسهم "هم" ما يجب ان يكون عليه كل الناس، وينتقدون أي شخص مختلف عنهم، ومن اكبر المآسي التي يعاني منها البعض هي عدم القدرة على تقييم ونقد الذات بشكل موضوعي، ليس عندهم القدرة على التمعن في سلوكياتهم ومعرفة دوافعهم وتحليل اخطائهم، تجد طاقاتهم موجهة لتقييم الاخرين ونقدهم وتصحيحهم ويرفضون مجرد التفكير في انفسهم ومراجعتها وتصحيح انفسهم، وهذا الاسلوب يجعلهم يستمرون في الخطأ دون وعي بأنفسهم،

التغير في الحياة حقيقة موجودة، كل الاشياء في الانسان ومن حوله تتغير، وحتى يستطيع الانسان الاستمرار في الحياة فعليه ان يتعلم كيف يتكيف مع متغيرات الحياة، الانسان يكبر ويهرم وعليه التكيف مع ذلك، والحياة فيها من المصائب والحروب والكوارث والجرائم الكثير وعلى الانسان ان يتكيف، والامراض تأتي وتذهب والاطفال يكبرون والوضع المالي يتغير والاحباء يذهبون وعلى الانسان ان يتكيف، التغير حقيقة والتكيف مع المتغيرات هو الحل، ولكن ما هو التكيف؟

التكيف ليس ان يقبل الانسان الامور بسلبية ولكن ان يتأقلم ويتغير مع الاحداث في سلوكه وفكره وحياته، اذا كان هناك عواصف فعليه الذهاب الى مكان آمن، عليه تغيير سلوكه بما يناسب الظروف، القدرة على التكيف والتأقلم تتطلب وعي بمجريات الحياة والنفس وقدرة على التعلم وتصحيح السلوك، تتطلب شيئ من المرونة، تتطلب ان يراجع الانسان نفسه ويجعل اهدافه اكثر واقعية واستراتيجيته اكثر تحقيقا لاهدافه، ولكن الشخص الذي يأخذ من نفسه مقياسا يقاوم تعديل نفسه، ففي رأي نفسه هو الكامل المكمل وعلى الاخرين السير في خطاه والاخذ برأيه، فالناس يجب ان يكونوا نسخة منه، وكأنه ينظر في المرآة، هذه هي نهاية القدرة على التعلم، نهاية النمو، الشخص المغرور لا يتعلم شيئا ولا يرى داع للتغير، لماذا عليه ان يتعلم؟ فهو كامل كما هو وعلى الناس ان يتغيروا ليكونوا مثله! عندما تقابل مثل هذا الشخص تجده يبدأ في انتقادك والتركيز على ما يعتقد انه نواقصك، وفي الحقيقة هو في اعماقه يقارن نفسه بك، وما يجده مختلفا فيك عنه سيكون في نظره من النواقص التي عليك تصحيحها!

في الحقيقة لم أجد في حياتي وبعد مقابلة الاف الناس ابشع من وجه الانسان المغرور ولا اسوأ من اخلاقه، ولا اكثر جهلا منه، الغرور هو اساس كل الرذائل، ومصدر اكثر الشرور، الغرور يأخذ اشكالا مختلفة، منها التكبر و "شوفة النفس"، ومنها عدم مراعاة مشاعر الاخرين والتعدي عليهم، ومنها الظلم وعدم الاهتمام بالعدل، وعدم المبالاة، والمغرور كالجائع الذي يبحث دائما عن غذاء لغروره من اهتمام ومديح وانتباه وتقدير، ولكنه كمن يجري وراء سراب لا يرتوي عطشه ولا يشبع مهما شرب اهتماما ومهما اكل مديحا، فهناك ثقب في نفسه وفراغ، وسبب هذا الثقب والفراغ هو انه نسي انه مجرد انسان عابر في هذه الحياة، نسي نفسه ومكانه في هذا الكون،

ما اخطر الغرور على صاحبه، يقوده الى المهالك، ويسبب له اخطاء فكرية تضخم له قدراته وتحقر من قدرات الاخرين فيأخذ قرارات خاطئة تقوده الى الخسارة، هو نوع من الجنون عندما يفقد الانسان القدرة على معرفة حجم نفسه وحقيقة الاخرين من حوله ومكانتهم،


د. ماجد عبدالعزيز عشي

الخميس، 5 يوليو 2012

الاسترخاء

الضغوط النفسية المختلفة التي يعيشها كثير من الناس هذه الايام تجعل الناس يشعرون انهم في حالة خطر في كثير من الاحيان، وهناك اخطار يعيشها الناس فعلا وهناك اخطار يتخيل الانسان حدوثها ويخاف ان تحدث، وفي كلتا الحالتين يقوم المخ  من خلال الجهاز العصبي والهرمونات بارسال اشارات لأعضاء الجسم المختلفة حتى تكون في حالة استنفار تحسبا للخطر الموجود او المتخيل، فالمخ يرسل اشارات تسرع من دقات القلب والتنفس وتجعل عضلات الجسم تتوتر، وهذا ما يجعل الشخص يشعر بالتوتر والشد الجسدي تحت الضغط النفسي، والاسترخاء في حقيقته هو بشكل كبير استرخاء لعضلات الجسم، فاذا كان الخوف والاحساس بالتهديد الجسدي او النفسي يؤديان الى التوتر العضلي فكيف يمكن لنا عكس ذلك؟

نقطة البداية هي في الخيال، فلو نظرت بعمق لوجدت انك انت من يخيف نفسك!! نجلس ونتخيل اسوأ الامور ونخاف!! كالطفل الصغير الذي يتخيل وجود وحش تحت السرير ويخاف، ينسى هذا الطفل ان ما يتخيله هو ما يخيفه وانه يمكنه تخيل أمور اخرى، الجسم البشري لا يعرف الفرق بين الحقيقة والخيال، فالجسم ينفعل للخيال كما لو انه حقيقة، الامر الذي يتحكم في هذا الشيئ هو اننا اثناء الاستيقاظ نستلم رسائل عبر حواسنا من الواقع تذكرنا ان الواقع ليس هو الخيال،  فمثلا قد تكون في قاعة المحاضرات ويسرح خيالك بعيدا عن اشياء لا علاقة لها بالمكان او الزمان الذي انت فيه، كأن تسرح وتفكر في رحلة تود الذهاب اليها مع اصدقاءك، وبعد حين تنتبه لصوت المحاضر او لأحد زملائك وتعود الى المكان والزمان في قاعة المحاضرة، تخيل لو اننا منعنا عنك كل الصوت والضوء والاحاسيس الجسدية، ماذا سيحدث؟ لن يبقى غير الخيال، وهذا ما يحدث الى حد كبير اثناء النوم، والجسم ينفعل لهذه الخيالات، فنحن نتخيل اشياء ونفكر اشياء تخيفنا او تغضبنا او تحزننا او تفرحنا، وهنا يبدأ الحل

هناك بالطبع امور في الواقع تقلقنا وتخيفنا وتغضبنا، وهذه المشاعر تساعدنا على التأقلم مع هذه الامور، الخوف يجعلك تتجنب الخطر، والغضب يجعلك تدافع عن نفسك، والحزن هو ردة فعل لخسارة ما، وفي الاحوال العادية قد يستمر الخطر برهة من الوقت ويزول، وبعد ذلك يعود الشخص لحالته الطبيعية، ولكن في كثير من الاحيان يقوم الشخص بتخيل الاخطار وينفعل لها، فهو كمن يضغط جرس الانذار بنفسه وينزعج لصوت الجرس ولا يعلم انه هو من يضغط على الجرس، نحن نتخيل ونتذكر وننفعل عاطفيا وجسديا لهذه التخيلات والذكريات، ويمكنك ان تختار ما تتخيل

فحتى تساعد نفسك على الاسترخاء العضلي والجسدي والنفسي عليك ان تتخيل امورا مريحة، تخيل مثلا انك على شاطئ البحر في حالة استرخاء، او تخيل انك في حديقة جميلة، هل تذكر مرة ان زرت مكانا في حياتك شعرت فيه بالاسترخاء، تخيل انك في ذلك المكان، جسدك سينفعل لذلك الخيال، ويقوم المخ بارسال اشارات للجسم والعضلات تعاكس اشارات الضغط النفسي، فتجد ان عضلاتك استرخت وان تنفسك ودقات قلبك اصبحوا اقل تسارعا، وحالة الاسترخاء الجسمي هذه تساعد على خفض ضغط الدم والسكر في الجسم، كما تساعد على تخفيض هرمون الكرتيزول الذي يفرزه الجسم تحت الضغط النفسي، وهذا الهرمون يساعد في مقاومة الضغط النفسي ولكن وجوده بكمية كبيرة في الجسم لوقت طويل يزيد من ترسبات الدهون في الشرايين والاكتئاب وارتفاع ضغط الدم وزيادة السكر والاسراع في علامات كبر السن وامور اخرى كثيرة، لذلك وجد العلماء ان الاسترخاء لمدة عشرين دقيقة يوميا له فوائد صحية وجسمية ونفسية كبيرة، والاسترخاء يساعد على انقاص الوزن ايضا من خلال تقليل الضغط النفسي الذي يدفع بعض الناس للأكل الزائد ومن خلال المساعدة على الاحساس بالشبع، فالاسترخاء هو كالخروج من اللعبة لوقت ما للمراقبة والمشاهدة وليس اللعب، هو توقف اختياري وحصول على نظرة جديدة للحياة تكون نابعة من الاعماق

اذا عزيزي القارئ، توقف عدة مرات في اليوم عما تفعل، اختر ان تتوقف، ان تخرج من طاحونة الحياة، وامضي عشر دقائق في سكينة، وتخيل امور جميلة، اشياء جميلة، اختر ان توجه تفكيرك لما هو جميل وحسن، لما يزيدك قوة لا ضعفا، سكينة لا خوفا، واسترخاء لا توترا، فان كان ما تتخيله وتفكر فيه جميلا مطمئنا مستكينا ستكن انت جميلا مطمئنا ومستكينا في نفسك وفي جسدك

د. ماجد عبدالعزيز عشي 

الخميس، 15 مارس 2012

الحب الرومانسي والفخر

هناك أنواع من الحب، ولكن الحب الرومانسي يكون عند بعض الناس ممزوجا بالرغبة في التفاخر، فهم يتنقلون بين الناس ويقولون فعليا او قوليا: "انظروا ما الذي حصلت عليه!! انظروا الى جماله او ماله او منصبه او شخصيته او غيره!! وهذا الذي به هذه الصفات اختارني أنا!!"، ففي نهاية الأمر العلاقة الرومانسية تصبح حكما على قيمة ذات الشخص وأحقيتها بما له قيمة في الحياة، فالشخص الأخر يصبح شيئا من الاشياء التي يحصل عليها الشخص، وهو اما ان يزيد من فخر الشخص او يكون مدعاة للخجل او العار، فالشخص هنا لا يحب الاخر لذاته او اعجابا بعمق بقيمه واخلاقه ومواقفه واختياراته وتوجهاته في الحياة وانما فقط كطريق للتفاخر امام الناس، ومع الأسف منتشر هذا النوع من الحب بين الناس، وهذا أحد اسباب الطلاق، فبعد بعض الوقت يفقد الأخر بريقه وتظهر في يد شخص أخر "لعبة" افضل، عنها يقذف الشخص "اللعبة" التي في يده ويجري وراء "لعبة" جديدة، مع الأسف اصبحت النرجسية والرغبة في اشباع الفخر والسعي وراء اعجاب الناس وانتباههم وكأنها اسلوب حياة طبيعي، الأفلام والمسلسلات والروايات مليئة بهذا النوع من الحب،

التواضع الحقيقي هو منبع الحب، وليس التواضع المفتعل الذي هو جزء من لعبة التفاخر ولفت الانتباه، التواضع الحقيقي النابع من معرفة الانسان لحدوده وبشريته وضعفه وقدرته على الشر وجهله، من اكثر مصادر الشر في هذا العالم هو عدم رؤية الانسان او التعامي عن قدرته على الشر، أه ، كم من شرير وسفاح ومجرم في هذا العالم يرى نفسه ضحية ويبرر شره بأنه يدافع عن نفسه البريئة!! الحب الحقيقي هو رحلة نمو نفسي يواجه فيها الانسان قدرته على عمل الخير كما يواجه العوائق في داخل نفسه التي تقف في وجه نموه ونمو الأخر والعلاقة والأسرة وتوظيف هذا التمو في خدمة المجتمع عموما، والشخص المدعي البراءة دوما والغير قادر على رؤية عيوبه واخطاءه ونواقص نفسه والتعلم والتغيير هو انسان غير قادر على النمو، وهو انسان يبحث عن ورقة التوت حتى يخفي عيوبه عن نفسه، والأخر في الحب الرومانسي يكون ورقة التوت تلك، ولكن هذه العلاقة لا تدوم،

د। ماجد عبدالعزيز عشي

الأحد، 12 فبراير 2012

الانتباه المتحيز

الانتباه المتحيز هي عملية نفسية يقوم بها بعض الناس شعوريا او لا شعوريا، وفيها يقوم الانسان بتركيز انتباهه على الامور التي تدعم قناعاته ولا ينتبه الى الامور التي هي ضد هذه القناعات، فمثلا قد يعتقد شخص بان فلانا من الناس لا يحبه، هذا الاعتقاد يجعله ينتبه اكثر الى الاحداث التي تؤيد هذه القناعة ولا ينتبه او يتجاهل اي تصرفات او احداث قد تدعم فكرة ان ذلك الشخص يحبه، هذا يسمى الانتباه المتحيز الذي يبحث فقط عن ما يدعم فهم الشخص ولا يرى ما يخالف هذه القناعات،

عالم النفس بياجيه تحدث عن النمو الفكري، ومن العمليات الفكرية التي كتب عنها ما يحدث في فكر الانسان اذا كان عنده تصور ثابت وواجهته امور تختلف مع هذا التصور، فالشخص عادة ما يكون تصورات عن امور معينة نتيجة تراكم الخبرات في هذه الامور، فمثلا عندك تصور عن ما يمكن ان تتوقعه ان ذهبت الى مطعم للعشاء، وهذا التصور قد يكون كالاتي:
تذهب الى المطعم، ويأتي موظف الاستقبال ليسال ان كان لديك حجز وعن عدد الزبائن، ثم يقودك الى طاولتك، ويأتي الجرسون ليسألك عن ما تحب ان تشرب ويقدم لك قائمة الطعام، ويأتي بالمشروبات ويسألك عن طلباتك، وبعد قليل يأتي بالطعام وفي النهاية يأتي بالفاتورة وتدفع وتغادر المطعم، هذا السناريو للذهاب للمطعم بني في فكرك نتيجة تجاربك السابقة وخبراتك ومشاهداتك، والانسان قد يشعر بالانزعاج ان حدث ما يخالف هذا السناريو، فمثلا قد تنزعج ان انتظرت طويلا دون ان يتحدث اليك موظف الاستقبال، او قدم اليك الجرسون طعاما غير طلبك، او كان في الفاتورة طلبات لم تطلبها، والانسان عنده سناريوهات عن اغلب الاحداث في حياته، فهناك سناريو للذهاب الى حفل زواج، واخر للذهاب الى المدرسة او قاعة المحاضرات، واخر عن لعب مباراة كرة، وغير ذلك كثير، وهذه السناريوهات الفكرية مهمة لانها تجعلنا نتصرف كجماعة بشكل منسق، كما انها تجعلنا نعرف ما هو المتوقع حدوثه في مواقف معينة،

ما الذي يحدث لهذا السناريو ان حدث ما يخالفه؟ حسب بياجيه، اما ان نحافظ على السناريو ونعتبر ما حدث خروجا على السناريو، او اننا قد نقوم بتعديل السناريو حسبا للمستجدات الجديدة، وكلا هذين الامرين مهمين في النمو النفسي، فلابد من وجود توازن،

د. ماجد عبدالعزيز عشي

الاثنين، 6 فبراير 2012

النظام واهميته في حياتنا النفسية

كل شيئ في الكون يسير حسب نظام ما، وهذه هي الفرضية التي يقوم عليها العلم كله، فالعلم يحاول الكشف عن الانظمة التي تسير تبعا لها الامور في الكون، فلو كان الكون فوضى والامور تحدث دائما بشكل مفاجئ لما كان للعلوم أي معنى، فهناك قوانين فيزيائية واخرى بيولوجية واخرى اجتماعية وغيرها، العلماء يعلمون ان هناك نظاما في الكون، وان اختلفوا فيكون الاختلاف في منشأ هذا النظام، حتى الفوضى لها نظام، فالفوضى تحدث حسب نظام معين، وعلماء الرياضيات والفيزياء وغيرهم يعلمون ذلك ويدرسون نظريات الفوضى، يحدث احيانا ان يخرج امر ما عن النظام الخاضع له، ولكن هذا الخروج له نظام ايضا، بعض الانظمة الكونية نعرفها والبعض نجهله، ووظيفة العلم هو الكشف عن هذه الانظمة،

والانسان منا يحتاج للنظام في حياته، فالانسان لا يستطيع تحمل الفوضى لوقت طويل، سيعاني نفسيا، فعدم النظام في حياة الانسان يؤدي به الى الاحساس بالقلق والخوف وفقدان السيطرة على مجريات الحياة وربما ايضا الى الاكتئاب، فلابد ان يكون هناك نظام واضح للنوم والاستيقاظ، للاكل والعمل، للسير في الطرقات واجراءات الاعمال، وغيرها الكثير، النظام مهم للطفل لانه يشعره انه في امان وان الامور يمكن توقعها، والنظام مهم للكبير لنفس الاسباب وحتى يمكنه اتمام اعماله، المفترض ان يكون في المجتمع نظام يسير عليه الجميع ويخضع له الكل ويكون هناك اجهزة لدفع الناس للسير حسب هذا النظام، هذا ما يحدث في كل دول العالم،

مع الاسف بعض الاسر لا تربي اطفالها على النظام، ينامون ويستيقظون ويأكلون ويشربون ويلعبون متى شاؤوا، فتصبح رغباتهم هي ما يحركهم دائما، ولا يتعلمون الصبر وكبح الرغبات وتنظيم اشباعها، ويخرج هؤلاء الاطفال الى المجتمع وهم لا يعرفون اهمية النظام واحترامه، ويصبح شاغلهم الاساسي هو كيفية اللف على النظام وكسره حتى يحصلون على ما يشاؤون، النظام في الحياة هي الارضية التي يقف عليها الناس، وبغير نظام تكون الارض متحركة تحت ارجلهم،

دكتور ماجد عبدالعزيز عشي