الخميس، 27 أغسطس 2009

أنواع الدوافع

الدافع هو ما يحرك الانسان نحو هدف ما، والدافع هو ايضا ما ينظم السلوك لتحقيق الهدف ويكفل استمرارية السلوك الى ان يتم تحقيق الهدف، فمثلا قد يكون الانسان جالسا في غرفته في مقعد مريح ولكنه يشعر بالجوع، هذا الجوع والرغبة في الاكل توجد دافعا نحو الاكل، فيقوم الشخص من مقعده ويذهب الى المطبخ ويبحث عن أكل او يبدأ في تحضير وجبة، فالدافع هنا رتب السلوك لتحقيق الهدف، فهو مثلا لا يقوم من مقعده ويبدأ في ترتيب الغرفة لأشباع حاجته الى الأكل، لكل دافع سلوكيات معينة على الشخص القيام بها لتحقيق اشباع ذلك الدافع المعين، وبعد الاكل وتحقيق الهدف والاشباع يتوقف الدافع والسلوك، وهذا يحدث في كل الدوافع تقريبا، احتياج ثم دافع ثم سلوكيات لتحقيق الهدف واشباع الاحتياج ثم انتهاء الدافع والسوك لفترة الى ان يظهر الاحتياج مرة اخرى، وهناك انواع من الدوافع حسب تقسيم العلماء،

فهناك دوافع أولية، وهي الدوافع الغريزية التي لا يتعلمها الانسان مثل دافع الاكل والشرب والرغبة الجنسية، وهناك دوافع ثانوية وهي الدوافع التي يتعلمها الانسان الى حد ما، ومن الدوافع الثانوية الدافع الى تكوين علاقات اجتماعية، والدافع الى التحكم في الاخرين، والدافع الى التعلم، والدافع الى جمع المال، والدافع الى التفوق، وما الى ذلك، وهناك اناس يكون عندها دافع معين هو المصيطر في حياتها، فمثلا هناك من يصيطر عليهم دافع الاكل او الرغبة الجنسية او حب التحكم او الرغبة في التفوق وهكذا، فاذا اردت ان تعرف لماذا يختلف الناس عن بعضها البعض عليك ان تعرف ما هو الدافع او الدوافع المصيطرة على الاشخاص،

وهذه الدوافع المصيطرة قد تنشأ نتيجة تاريخ الانسان ونشاته واحداث حياته، فمثلا الشخص الذي كان ضعيفا جسديا ويؤذيه الاطفال الاخرون في الطفولة قد ينشأ عنده دافع كبير نحو القوة، والدافع احيانا قد يكون مرضيا وغير طبيعي كشخص عنده دافع لتعذيب الناس مثلا، فوجود دافع ما لا يعني بالضرورة انه دافع طبيعي ويجب اشباعه، وهناك عوامل بيولوجية ووراثية تتداخل مع عوامل اجتماعية وحضارية لتكوين الدوافع عند الناس، فمثلا الناس لا تأكل فقط للتغذية، ولكن تأكل لعوامل اجتماعية وحضارية مختلفة،

وهناك دوافع تكون ناتجة عن احتياج عند الشخص، فمثلا الانسان الوحيد قد يكون عنده دافع للتواصل مع الناس، ولكن هناك دوافع تسمى دوافع نمو، فهي لا تنتج عن حاجة ولكن رغبة في النمو، فمثلا الشخص الذي يتعلم لغات عديدة بعد التقاعد لا يفعل ذلك عن حاجة ولكن رغبة في تكوين مهارات اخرى في حياته،

وهناك دوافع داخلية ودوافع خارجية، فمثلا الشخص الذي يجلس بالساعات يمارس هواية يحبها يكون دافعه داخليا، فهو يفعل ما يفعل لأنه يستمتع به، ولكن الشخص الذي يعمل في وظيفة يكرهها ويقوم بها فقط من اجل المرتب دافعه خارجي وهو المال، ومن الجميل ان يكون هناك الدافعين معا، ولكن الدافع الخارجي وحده لا يضمن استمرارية العمل، فالشخص سيتوقف ان توقفت المكافئة الخارجية، اما الدافع الداخلي قد يكون اكثر استمرارية، هناك اناس تحركهم الدوافع الداخلية اكثر من غيرهم، فاهدافهم لا تكون واضحة للاخرين لأن هدفهم هو في داخل انفسهم، وهناك اناس تحركهم الدوافع الخارجية اكثر،

أحيانا يكون هناك صراع في داخل الشخص بين عدة دوافع، فمثلا قد يكون الطالب عنده الدافع للدراسة ولكن عنده الدافع للخروج مع الاصحاب في نفس الوقت، هنا يحدث صراع داخل الشخص، والشخص الناضج هو الذي يفهم دوافعه واحتياجاته ويعرف كيف ينظمها وينظم سلوكياته لأشباع دوافعه،

د. ماجد عبدالعزيز عشي

الاثنين، 24 أغسطس 2009

فن الاسئلة

كثير من الناس لا يعرفون أهمية الاسئلة، نحن نركز كثيرا على المعرفة والقدرة على الاجابة ولكن لا نركز كثيرا على فن الاسئلة، السؤال هو كمفتاح لكنوز المعرفة، اغلبية النظريات والاكتشافات العلمية بدأت بأسئلة في عقول العلماء، واغلبية الفلسفات بدأت بأسئلة، وحتى في الدين، هناك تشجيع على السؤال والتعجب والتدبر: من خلق هذا الكون؟ ما هو دوري في الحياة؟ بداية المعرفة هي السؤال، العلماء والمفكرين يسألون أسئلة جديدة ومهمة لكثير من الناس، ويفتحون بأسئلتهم طريقا جديدا للفكر والمعرفة الانسانية،

والسؤال يدل على حب الاستطلاع، كأستاذ جامعي أحب الطلاب الذين يسألون أسئلة تدل على حب طلب العلم والذكاء، فهذا يدل على اهتمام وجوع للمعرفة، وحتى في علاقاتنا الشخصية الاسئلة مهمة، من العلامات الطيبة ان تكون مع شخص ويسألك عن حالك، اذا كنت تحبه فسترى ذلك اهتماما، واذا لم تكن تحبه فسترى ذلك تدخلا في ما لا يخصه، غالبا عندما يسألك شخص سؤالا عنك فهو يحاول الاقتراب منك ويحاول معرفتك اكثر،

وهناك رجال يقعون في الحب لأن المرأة تسأل اسئلة ذكية وحاذقة، فهذا فن في حد ذاته، هناك امرأة تخبرك بالكثير الكثير بمجرد ان تسألك سؤالا، قد تكون صامتة طويلا ولكنها تسألك سؤالا واحدا يفتح عقلك ومداركك لأمور كثيرة دون كلام كثير، هي تعرف متى تسأل وكيف تسأل،

التوقيت مهم حتى في السؤال، السؤال الجيد هو السؤال الذي يكون في وقته تماما، عندما يكون الشخص والناس مستعدون له، عندما يكون هناك حاجة للسؤال عند الفرد والمجتمع، أحيانا تكون الظروف مناسبة لولادة سؤال معين، والحاذق هو الذي يستشعر الظروف ويعرف متى يسأل، والعلاج النفسي في غالبه قائم على فن الاستماع وفن السؤال،

السؤال يفتح عقل السائل، فأنت عندما تسأل فانك تفتح نفسك لأجابة، هل تذكر عندما كنت طفلا وكنت تسأل عن كل شيئ؟ لماذا توقفت؟ ما الذي حدث؟ تسائل يا عزيزي، فهذا سر من اسرار السعادة،



د. ماجد عبدالعزيز عشي

السبت، 22 أغسطس 2009

انواع الذاكرة والنسيان

هناك انواع من الذاكرة، فالذاكرة ليست نوع واحد، ويقسم العلماء الذاكرة الى ثلاثة انواع:

الذاكرة الحسية
مثلا عندما تكون في غرفة فانك ترى وتسمع وتحس بامور كثيرة، ولكن هذه الصور والاصوات لا تبقى في ذاكرتك لاكثر من ثانيتين، فمثلا انت جالس على الكمبيوتر الان ولكن عيناك قد رأت مرارا الشعار الذي في اعلى الصفحة على يسارك ولكن في اغلب الاحيان لا تتذكر هذا الشعار ولونه وشكله مع انك رأيته، لماذا؟ لان هذه الصورة دخلت في احساسك وبقيت في ذاكرتك الحسية لمدة ثانيتين او اقل وذهبت، لماذا؟ كل الامور تدخل في البداية الى هذه الذاكرة الحسية، والمهم هو ما يتم تحويله الى انواع الذاكرة الاخرى اما غالبية الامور تنسى، فمثلا عندما تكون تسوق سيارتك، هناك سيارات كثيرة امامك تظهر وتذهب واشارات وشوارع وكلها تدخل في ذاكرتك الحسية لمدة ثواني حتى يمكنك تجنبها وبعد ذلك تنساها، فانت لا تتذكر كل سيارة مرت امامك في الطريق، وهذا امر مفيد حتى لا تزدحم الذاكرة بامور كثيرة ليست مهمة، ولكن الامور المهمة تتحول من الذاكرة الحسية الى الانواع الاخرى،

الذاكرة قصيرة المدى
هذه الذاكرة تحمل الامور لدقائق وبعد ذلك تنسى الا اذا كانت مهمة تتحول الى نوع اخر من الذاكرة، فمثلا انت في حفلة وقابلت شخصا وهو على وشك مغادرة الحفل واحببت ان تحصل على رقم هاتفه ولكن ليس معك قلم او هاتف تسجل به الرقم، قد تقول له ان يخبرك برقمه وتعيد هذا الرقم في ذاكرتك مرارا وانت تبحث عن ورقة وقلم لتسجل الرقم، الذاكرة قصيرة المدى هي التي تحمل الرقم الان في هذه الدقائق الى ان تسجل الرقم وبعد ذلك ينسى، وتسمى هذه الذاكرة ايضا الذاكرة العملية لاننا تستخدمها بشكل كبير في اعمالنا اليومية العادية، فمثلا في عملك قد يخبرك المدير بعمل اشياء ما خلال اليوم، كأن تتصل بالشركة الفلانية، وان تكتب الخطاب الفلاني، انت تحمل هذه الامور في الذاكرة القصيرة المدى حتى تنتهي منها وبعد ذلك تنساها، وهذا ما يحدث مع الطلبة ايضا، يحضر الطالب المحاضرة او الدرس ويستمع الى الاستاذ ويفهم الموضوع وان سالته بعد المحاضرة عن ما قاله الاستاذ لاخبرك بالتفصيل ولكن بعد شهر قد ينسى غالبية المحاضرة، لماذا؟ لان المعلومات تخزنت في الذاكرة قصيرة المدى وبقيت هناك فترة وذهبت، ولكن ان قرأ الطالب المحاضرة وذاكر مرارا ستتحول المعلومات من الذاكرة القصيرة المدى الى الذاكرة طويلة المدى،

الذاكرة طويلة المدى
هذه الذاكرة هي التي تحمل المعلومات المهمة لنا ولسنوات واحيانا طول العمر، فامور حدثت ولكن لاهميتها تحولت من الذاكرة الحسية الى الذاكرة قصيرة المدى ومنها الى الذاكرة طويلة المدى، فهنا تجد مثلا قصة حياتك والاحداث المهمة من تخرج وزواج وغيرها، كما نجد ذكريات الصدمات النفسية التي بقيت في الذاكرة، وهنا ايضا نجد الذاكرة المتعلقة بالمهارات من قيادة السيارة او استخدام الكمبيوتر مثلا، فهذه نوع من انواع الذاكرة طويلة المدى،

فهناك احيانا خلل يحدث في عمليات الذاكرة، فالذاكرة لها اسس بيولوجية في المخ، وكل نوع له خلاياه واسسه العصبية، فمثلا قد يتعرض شخص لحادث سيارة يضر بمنطقة معينة في المخ مما يؤثر على نوع ما من الذاكرة، فمثلا قد يفقد الذاكرة البعيدة المدى، بمعنى ان ينسى تاريخه او جزء منه، والكبر في السن قد يؤثر على الذاكرة، فقد ينسى الشخص مهارات عملية تعلمها في الصغر مثل استخدام الكمبيوتر، وقد يكون الخلل في عملية تحويل الذاكرة من القصيرة المدى الى البعيدة المدى، ولذلك نجد احيانا ان الشخص يجد صعوبة في تعلم امور جديدة، ليس لانه غير قادر على فهمها ولكن لانه غير قادر على تحويلها من منطقة الذاكرة قصيرة المدى الى الذاكرة بعيدة المدى، وهناك اسباب عديدة للنسيان، فقد يكون بيولوجيا كما في حالات الالزيمر، او قد يكون ناتج عن استخدام ادوية او مخدرات، او ناتج عن امراض عضوية مثل الاورام في المخ، وقد يكون سبب النسيان نفسيا مثل في حالات بعض الاضطرابات النفسية كتعدد الشخصيات، او بعد الصدمات النفسية حيث يكون النسيان هو اسلوب للتكيف مع واقع مر وامور لا يريد ان يتذكرها الشخص، واحيانا يكون النسيان نتيجة عدم تكرار الامر كما في حالة الطالب الذي ينسى المحاضرة،

اذا نظرت الى نفسك بتمعن لرأيت انك الى حد كبير مجموعة ذكريات تشكل تاريخك وشخصيتك، انت هذه الذكريات، والذكريات قد تكون صحيحة وقد لا تكون، ولو حدث ان مسحت هذه الذكريات فمن تكون ياترى؟ سينسى الانسان اسمه وزوجه واولاده وعنوان بيته وعلمه وعمله، وينسى حتى كيف يأكل او يلبس او يكتب، وهذا ما يحدث عند المرضى بالالزيمر والذي يصيب بعض كبار السن، وبعض الاهالي يأخذون الامر مزاحا وقد يجرحون مشاعر الكبير، وهم لا يعلمون مدى اضطراب مشاعر الكبير وهو يجد نفسه ينسى تدريجيا اهم ما عنده في الحياة، ان معاناة الناس هي نداء يتطلب من الاخرين الحنان ومد يد العون والرحمة، وليست مجالا للاستهزاء اوالشماته، فلا بد من وجود مستوى معين من التوعية والثقافة عند اهالي المرضى كبار السن الذين تتأثر عندهم الذاكرة، واعلموا ان الشخص قد يفقد ذاكرته ولكنه يكون قادرا على الحب وجميع المشاعر، فالانسان قد يحب دون ان يتذكر، القدرة على الحب تسبق تكوين الذاكرة عند الانسان، قد ينساك الكبير في السن ولا يعرف من انت، ولكنه عندما يراك يبتسم لك ابتسامة صادقة ويضمك الى صدره ويعطيك حبا صادقا دون ان يعرف من انت، هو يحبك بصدق دون ان يريد منك أي شيئ،

د. ماجد عبدالعزيز عشي

الثلاثاء، 18 أغسطس 2009

اتخاذ القرارات

الانسان منا يواجه بشكل يومي بمواقف تتطلب منه اتخاذ قرارات، وان يختار بين امور، وهذه القدرة يتعلمها الانسان منذ الطفولة بمراقبة اهله في طريقة اتخاذهم للقرارات، وبالتعليم الذي يتعلمه في البيت والمدرسة والاعلام، ولو لاحظنا لوجدنا ان كثير من مشاكل الشخص تعود لقرارات خاطئة او اختيارات غير سليمة سواء كان ذلك في حياته المادية او الاجتماعية او العاطفية او حتى السياسية، والمجتمعات العربية عموما تربي اطفالها على الطاعة، والعلاقات تكون دائما تقريبا "عامودية"، بمعنى ان هناك شخص اعلى يعطي الاوامر وشخص ادنى يطيع، سواء كان ذلك في العمل او البيت او في العلاقات الاجتماعية، والشخص الذي يطيع في العمل يأمر في البيت، فكل العلاقات تقريبا تكون "عامودية"، فالاطفال يتعلمون الطاعة في البيت والمدرسة وغيرها، وعندما يكبرون نجدهم يفتقدون لمهارات اتخاذ القرارات الصحيحة التي فيها مصلحتهم ومصلحة الاخرين، وينتظرون ان يعطيهم احد الاوامر، ويفتقدون لروح المبادرة،

وكثير من الاطفال يجدون اهلهم غير قادرين على اتخاذ القرارات، او يتخذونها باسلوب خاطئ، او يتخذون قرارات خاطئة عديدة، فبعض الناس يتخذون قرارات بناء على رغبات لحظية دون النظر لما هو بعيد، والبعض يتخذون قرارات بعد النظر لجانب واحد من الموضوع ودون دراسة الموضوع من كل الجوانب وبشكل كافي، والبعض يتخذون قرارات بناء على اوهام او امل او اماني او خوف او غضب وليس بناء على حقائق ووزن للامور، وبعض الناس يتخذون القرارات بناء على معلومات خاطئة وغير صحيحة ودون دراسة للموضوع، والبعض لا يتخذون أي قرار ويعتمدون على الاخرين في اتخاذ القرارات للهروب من المسؤولية وللوم الاخرين ان فشل الامر، واحيانا فقط نتيجة انه لا يسمح لهم باتخاذ القرارت من قبل الاخرين،

اتخاذ القرارات الصحيحة هي قدرة مهمة للشخص وللمجتمع عموما، فمستقبل المجتمع يعتمد على مجموع القرارات الفردية التي يأخذها الافراد في حياتهم الشخصية والعملية والاجتماعية، وان كان هناك نسبة كبيرة من المجتمع تتخذ قرارات خاطئة ولها نتائج سلبية فان ذلك سينعكس على المجتمع ككل، وهذه القرارات قد تكون صحية كاستخدام المخدرات او التدخين او الاكل الغير الصحي، وقد تكون قرارت اجتماعية من النوع الذي يخلق مشاكل بين الناس، او قرارات عملية كأخذ الرشوة وخيانة الامانة والتكاسل في اداء العمل، او قرارات تتعلق بالسرقة والاعتداء، القرارات الشخصية هي كحبات المطر، تتراكم ويأتي منها السيل، كل شخص ينظر الى قراراته على انها امور صغيرة وشخصية كأنها مجرد حبة مطر، ولكنه ينسى ان حبات المطر ستتراكم وتتجمع وتكون في مجموعها امور مهمة وخطيرة على حياة الناس، والبعض ينظرون الى قراراتهم على انها اشياء صغيرة مثل كرة ثلج صغيرة تتدحرج من جبل عالي تغطيه الثلوج، فما الضار في كرة ثلج صغيرة تتدحرج، ولكنها مع الوقت ستكبر وتكبر وقد تصبح كرة كبيرة تدمر قرية بكاملها، والحرائق الكبيرة تبدأ بعود ثقاب او شعلة صغيرة، والمجتمع كسفينة، ولو ان كل شخص قرر، بناء على حريته الشخصية، عمل ثقب صغير في غرفته في السفينة لغرقت السفينة، القرارات الصغيرة والفردية مهمة،

فلا بد من حملة توعية لتعليم الناس منذ الطفولة كيفية اتخاذ القرارات السليمة، والقرار السليم يكون مبنيا على حقائق لا ظنون واوهام واحلام وامال، بالطبع الانسان محدود في علمه بالماضي والحاضر والمستقبل، ولذلك هناك دائما احتمال ان لا يكون القرار سليما تماما، او ان يكون سليم في مرحلة وليس في مرحلة اخرى، وأخذ المشورة من العلماء والعقلاء والحكماء والصالحين وذوي الخبرة سيساعد الشخص الى حد كبير في تجميع المعلومات المطلوبة لاتخاذ افضل قرار، ولكن البعض يأخذون المشورة من الجهلاء والطامعين او من اصدقاء السوء او حتى من اشخاص غير مؤهلين نفسيا او خلقيا لبذل المشورة، القدرة على اتخاذ القرارات هي مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتق الانسان، ولا بد ان يعطيها حقها


د. ماجد عبدالعزيز عشي

الأحد، 16 أغسطس 2009

الطريق

كنت اسكن في مدينة صغيرة جميلة تبعد عن مدينة بوسطن حوالي اربعين دقيقة بالسيارة، وكنت انتهي من محاضراتي الساعة العاشرة والنصف ليلا حيث انني كنت ادرس موادا مسائية، وبعد انتهائي من المحاضرات ابدأ رحلة عودتي الى المنزل، جميع المحلات التجارية في مدينة بوسطن والمدن المحيطة بها تغلق حوالي السابعة مساء، وجميع المطاعم تغلق حوالي العاشرة مساء، وغالبية محطات البنزين تغلق حوالي الحادية عشرة مساء الا بعض المحطات والبقالات التي تعمل على مدار الساعة وهم قلة، غالبية الناس تنام حوالي الساعة التاسعة او العاشرة مساء، فدوام العمل هنا هو عموما بين الساعة التاسعة صباحا والخامسة عصرا، وهناك ساعة للغداء، فالناس تحتاج ان تنام حوالي الساعة العاشرة حتى يستيقظون من الساعة السادسة صباحا استعدادا للعمل والمدارس، ونتيجة هذه الظروف يكون طريق عودتي الليلي شبه خاويا، واضاءة الطرقات هنا خافتة واحيانا معدومة تماما والمسافة بين اعمدة الانارة بعيدة، وهناك اشجار كثيرة تظلل الطرقات وخصوصا عندما اكون في الجزء من الطريق الذي يعبر خلال المناطق الزراعية والحقول، فيكون الطريق مظلما ولا ارى شيئا سوى المنطقة التي يضيئها نور السيارة، والجو في بوسطن يغلب عليه الامطار والثلوج، ففي كثير من الاحيان يكون الجو ممطرا واحيانا بغزارة، مع وجود رعد وبرق متكرر وصواعق، ويضيئ البرق الطريق امامي احيانا وخصوصا عندما اكون اسير في طريق مظلم زراعي بلا اضاءة، وعادة احب ان امضي الوقت في هذا الطريق في صمت، دون راديو او موسيقى، لأنني اكون قد امضيت على الاقل خمس ساعات متواصلة في القاء المحاضرات واحب ان امضي هذا الوقت في هدوء، وبالطبع اذكر اناس احبهم،

وأجد في طريقي هذا دروسا وعبر، فالطريق يكون عادة مضاءا في بدايته ولكن بعد ذلك اخرج من المدينة وادخل في المناطق الزراعية المظلمة، ولعدة اميال اكون وحيدا في الطريق الزراعي، ولكن بعد فترة ادخل مدينة صغيرة اخرى، المحلات الصغيرة الجميلة منارة بانوار خافتة ولكنها كلها مغلقة، وبعد ذلك اعود الى الطريق المظلم، واحيانا يكون هناك مطر غزير في منطقة في الطريق ولكنه لا يكون موجودا في منطقة اخرى، هكذا هو جو هذه المنطقة، وانظر الى هذا الطريق على انه يمثل الحياة عموما، احيانا طريق الحياة يكون جميلا منارا مليئ بالحيوية والنشاط، واحيانا نمر بمراحل في حياتنا تكون مظلمة وممطرة ومليئة بالرعد البرق والصواعق ويكتنفها الغموض وعدم الوضوح، وفي هذه الفترة الصعبة لا يمكننا ان نرى ابعد من مسافة امتار في تلك الظلمات، ولكن ان استمرينا وصبرنا وعملنا ما نستطيع فان الظلمات ستنقشع وسنمر مرة اخرى بمرحلة فيها النور والجمال، من اجمل الحكم التي قرأت انه كان هناك ملكا، وطلب من حكماء مملكته ان يكتبوا شيئا على خاتمه، ان قرأه وهو سعيد بكى، وان قرأه وهو حزين سعد، وتنافسوا فيما بينهم الى ان استطاع احكمهم الوصول الى الجملة، فكتب: "ان حالك لن يدوم"، فكلما قرأ الملك تلك الجملة وهو حزين سعد، وكلما قرأها وهو سعيد حزن، اجد هذه الحكمة في طريقي، الحال لا يدوم، والطريق يتغير، والحياة وظروفها تتغير، ربما تكون اليوم الظروف ضدك، ولكن انتظر قليلا، فربما تتغير الاحوال وتصبح الظروف في صفك،

صعوبات الحياة هي كالمكبر الذي يظهر من انت، تخرج المكنون في نفسك من صفات، وربما تجهزك لما هو اهم، ولتحمل اعباء ومهام اكبر، انظروا في التاريخ وستجدون ان الصعوبات والمآسي التي مر بها بعض الناس كانت هي ذاتها ما جهزهم لتحمل مسؤوليات اكبر، واحيانا ساعدتهم على تكوين فهم للحياة وسعادة اعمق، الطريق قد يكون شاقا ومظلما احيانا، وموحشا ومخيفا ووحيدا احيانا، قد تعتقد ان الكل تخلوا عنك وان لا احد يحبك، وقد تعتقد ان كل الظروف ضدك، وقد تشعر باليأس والتعب وتقترب من الانهيار، ولكن فجأة تنكشف الغمامة وينقشع الظلام وتتغير الاحوال، دوام الحال من المحال، انتظر، وسر في الطريق، وتوكل على الله سبحانه،

في ظلام الطريق ربما يصعب البصر ولكن وقتها يكون دور البصيرة، وما اسعدك عندما تكتشف دور البصيرة،

د. ماجد عبدالعزيز عشي

السبت، 1 أغسطس 2009

الارق وعلاجه

من اكثر المشاكل التي يعاني منها الناس اليوم مشكلة الارق، وسأعرض هنا لبعض الامور المتعلقة بالارق،
الارق يعرف على انه عدم القدرة على النوم او الاستيقاظ المتكرر اثناء النوم وعدم القدرة على العودة للنوم، الانسان يحتاج من ست الى ثمان ساعات من النوم يوميا، والنوم الصحي هو النوم المستمر اثناء النوم والذي يتبعه استيقاظ واحساس بالحيوية والنشاط بعد الاستيقاظ، وهناك انواع من الارق واسباب مختلفة له،

فهناك ارق ناتج عن اسباب طبية، فهناك امراض جسمانية قد تسبب الارق مثل حموضة المعدة والالم المزمن وبعض حالات السرطانات، فالارق قد يكون عرضا لوجود مرض عضوي، كما يمكن ان ينتج الارق كعرض جانبي لبعض الادوية، فكثير من الادوية يمكن لها ان تسبب الارق، وقد ينتج الارق عن الانسداد المتكرر لمجرى التنفس او ما يسمى اسليب ابنيا، ويكون ذلك نتيجة السمنة مما يجعل الشخص يشعر بخنقة في التنفس ويستيقظ مرارا في الليل وقد لا يشعر بذلك بوعي ولكن نومه يكون متقطعا واثناء النهار يشعر بالتعب والنعاس، كما يمكن ان ينتج الارق عن امراض تسبب الحاجة للتبول المتكررة مثل امراض السكر والبروستاته، مما يوقظ الشخص مرارا اثناء النوم، والحمل قد يسبب بعض الارق نتيجة توقع الولادة والمولود وحركة الجنين في البطن وعدم الراحة في النوم والتغيرات الهرمونية عند الام وقلقها بشأن تغير حياتها بعد الولادة، والارق قد ينتج عن الاكثار من مادة الكفايين الموجودة في القهوة والشاي والصودا ومشروبات الطاقة، كما يمكن ان ينتج عن مادة النيكوتين الموجودة في السجائر، وكثير من انواع المخدرات يمكن لها ان تسبب الارق ايضا، والارق يمكن ان يكون علامة لوجود مرض نفسي، فهناك امراض نفسية عديدة تكون مصحوبة بارق مثل امراض القلق والاكتئاب،

ولابد من التفريق بين الارق المؤقت والارق المزمن، الارق المؤقت يكون ناتجا عن ظروف مؤقتة مثل ضغط نفسي نتيجة وجود مشاكل مادية او اجتماعية او لتوقع حدث سيئ او سعيد، فمثلا قد يقلق الشخص اذا كان ينتظر نتيجة الاختبارات او نتيجة عدم القدرة على دفع دين وما الى ذلك، وهناك فرق بين الارق الاارادي والحرمان من النوم، فالشخص قد يضطر احيانا للسهر لرعاية مريض او لعمل او دراسة او سفر، وهذا لا يعتبر ارقا، الارق هو عدم القدرة على النوم مع الرغبة والتجهيز لذلك، وكما ذكرنا فالارق يمكن له ان يكون مؤقتا ويزول بزوال الظروف المسببه له، ويمكن ان يكون مزمنا،

النوم هو عملية طبيعية ولها عوامل فسيولوجية تتحكم فيها، كل الحيوانات تنام، النوم يساعد الجسم على الاسترخاء وتجديد الطاقة، كما يساعد في تفريغ المشاعر من خلال الاحلام، وهرمونات النمو التي تساعد الاطفال على النمو وتعمل على تجديد خلايا الجسم عند الكبار تفرز اثناء النوم، فالنوم الصحي مفيد للجسم والنفس وللجمال ايضا، والارق المزمن قد يسبب امراضا جسمانية ونفسية، فالانسان قد يصاب بحالات نفسية خطيرة ان اصابه الارق المستمر لعدة ايام، وقد تأتي له الهلاوس والظنون وقد يتصرف كالسكران من حيث قدرته على قيادة السيارة او تصرفاته وقراراته عموما،

وهنا بعض النصائح المتعلقة بتجنب الارق:
1. حاول ان تنظم نومك، ادخل الى السرير في نفس الساعة كل ليلة واستيقظ في نفس الوقت باستخدام المنبه، هذا سينظم افراز الهرمونات المسؤولة عن تنظيم النوم في الجسم، النظام مهم لتنظيم النوم،
2. تجنب نوم بعد الظهيرة، هذا النوم قد لا يجعلك تشعر بالنعاس في الليل
3. تجنب شرب المنبهات من قهوة وشاي وصودا
4. تجنب التدخين وبالطبع استخدام اي من المخدرات
5. تجنب الرياضة قبل النوم، قم بالرياضة 3-4 ساعات قبل موعد النوم، الرياضة تنبه الجسم وتجعل القلب يخفق بسرعة وهذا لا يساعد على النوم،
6. تجنب الاكل مباشرة قبل النوم، الاكل قبل النوم قد يسبب تخمة وصعوبة في الهضم، الوجبة الخفيفة تساعد اكثر،
7. تجنب شرب الكثير من السوائل قبل النوم، هذا سيقلل من احتمال الحاجة للاستيقاظ للذهاب للتبول
8. تجنب مشاهدة الاخبار او الامور التي تسبب القلق قبل النوم،
9. تجنب الجدال مع الاخرين قبل النوم، وتجنب الحديث في الهاتف وانت في السرير، وتجنب الاكل او المذاكرة في السرير، السرير مكان للراحة ولا يجب ان يرتبط بالخصام او الاكل او المذاكرة،
10. اذا شعرت بالارق فلا تجبر نفسك على النوم، انتظر عشرين دقيقة في السرير واذا لم تنم قم واعمل شيئا مثل قراءة كتاب او قصة او مشاهدة التلفزيون قليلا، وعد للسرير بعد ذلك،
11. جهز نفسك للنوم من خلال الصلاة او الدعاء او قراءة القرآن والاسترخاء، وفكر في خيالات جميلة تجلب لك الراحة النفسية،
12. جهز مكان نومك من خلال جعل السرير مريحا ودرجة حرارة الغرفة مناسبة، واعمل على ان تكون الاضاءة خافتة من خلال ابجورة بجانب السرير يمكن اطفاءها اذا رغبت، وان يكون هناك هدوء في الغرفة من خلال اغلاق مصادر الضوضاء ومنعها،
13. اذهب الى السرير في نفس الوقت يوميا حتى لو لم تكن تشعر بالنعاس،
14. اذا كنت قد اخطأت في حق أحد حاول حل الموضوع اثناء النهار واعتذر واصلح الامور، عذاب الضمير قد يمنعك من النوم،
15. اعلم ان القلق والارق لن يحل اي مشكلة، نم وعندما يأتي الصباح يمكنك العمل على حل مشاكلك،
16. تأكد ان سبب الارق ليس بسبب مرض جسدي او نفسي من خلال زيارة الطبيب والكشف العام،
17. قم بنشاط جسدي خلال اليوم فذلك يساعدك على الاحساس بالتعب والنعاس عند النوم،
18. تحدث مع قريب او صديق تثق فيه عن الامور التي تزعجك او تقلقك في حياتك فهذا يساعدك على تخفيف التوتر النفسي وتخفيف الكوابيس الناتجة عن مشاعر مكبوته،
19. اجعل لك جدول يومي جميل وخصوصا في الصباح يشمل الاستحمام والصلاة والافطار الجيد وشيئ من الرياضة الخفيفة، المهم هو ان تشعر بان هناك يوم جميل ينتظرك،
20. تجنب الحبوب المنومة فبعضها يسبب الادمان عليها والبعض يسبب الارق في حالة التوقف عن استخدامها، عادة تستخدم هذه الحبوب لعدة ايام فقط، ويمكن اكل الديك الرومي لاحتواءه على مادة التربتوفان المساعدة على النوم، وشرب عصير الليمون والشاي الخالي من الكافيين،

وتذكر ان الاشياء الجميلة والممتعة في الحياة هي اشياء بسيطة ولا تكلف الكثير، فشروق الشمس والافطار الطيب والمشي قليلا وقراءة الجريدة لا تتطلب الكثير من المال، ولكنها اشياء تجلب الكثير من السعادة، اجعل حياتك بسيطة تعش سعيدا، وتنام سعيدا،

د. ماجد عبدالعزيز عشي